
كارثة تحطم طائرة 3 غشت 1975 في شعر الرايس إبراهيم بيهتي: الذاكرة الجماعية وتحولات ثقافة الهجرة
- د. خالد ألعيوض* //
شكلت كارثة تحطم الطائرة يوم 3 غشت 1975 إحدى أكثر المآسي رسوخاً في الذاكرة الجماعية للهجرة السوسية. فقد كانت الطائرة، وهي من طراز بوينغ 707 تابعة للخطوط الملكية الأردنية، تؤمن رحلة تقل عمالاً مغاربة وأفراداً من أسرهم العائدين من أوروبا لقضاء العطلة الصيفية بالمغرب. وأسفر الحادث عن وفاة 188 شخصاً، من بينهم سبعة من أفراد طاقم الطائرة، مما خلف صدمة عميقة داخل الأوساط المهاجرة، خاصة في منطقة سوس التي كانت آنذاك من أهم مناطق الهجرة نحو فرنسا.
لم يمر هذا الحدث دون أن يترك أثراً في الإبداع الشعبي الأمازيغي، إذ سارع الرايس إبراهيم بيهتي إلى تخليده في قصيدة أصبحت من أشهر القصائد التي أرخت لمآسي الهجرة. وقد غُنِّيت في صيف سنة 1975، وانتشرت بسرعة بين المهاجرين وأسرهم، لتتحول إلى وثيقة شعرية تحفظ تفاصيل المأساة وتترجم مشاعر الفقد والحنين والخوف.
تروي القصيدة قصة عمال كانوا يحملون حلم اللقاء بالأهل بعد سنوات من الغربة، قبل أن تتحول رحلة العودة إلى مأساة إنسانية. ويصف بيهتي بدقة مشاهد انتظار الأسر في المطارات، ولهفة الأمهات والزوجات والأطفال، قبل أن يصلهم خبر الوفاة. كما ينتقل إلى تصوير حطام الطائرة والأمتعة المبعثرة وسط الغابة، في مشاهد مؤثرة تعكس قوة الحس التصويري في الشعر الأمازيغي.
ولا يكتفي الشاعر بالسرد، بل يفتح باب التساؤل حول أسباب الكارثة: هل كانت نتيجة خطأ بشري؟ أم خلل تقني؟ أم سوء تقدير للظروف الطبيعية والجبلية؟ كما يلمح إلى أن الطائرة كانت مستأجرة من شركة أجنبية، الأمر الذي يعكس قلق المهاجرين آنذاك بشأن سلامة وسائل النقل التي كانت تعتمدها شركات الطيران.
ويختتم بيهتي قصيدته برسالة تحذيرية للمهاجرين، داعياً إياهم إلى تفضيل السفر براً عبر الحافلات والسيارات، باعتباره أكثر أمناً من السفر الجوي. ولم يكن هذا الموقف مجرد موقف شعري، بل يعكس تحولاً اجتماعياً حقيقياً داخل الجالية المغربية في أوروبا، إذ تشير الشهادات المتداولة إلى أن الحادثة أثرت بوضوح في اختيارات المهاجرين لوسائل السفر خلال السنوات اللاحقة، فازداد الإقبال على تعلم السياقة والحصول على رخص القيادة، كما ارتفع استعمال السيارات الخاصة في رحلات العودة الصيفية إلى المغرب.
وتكتسب هذه القصيدة أهمية إضافية لكونها وصلت إلينا عبر الشاعر سعيد اد بالناصر، أحد أبرز حفاظ الشعر الأمازيغي التقليدي (تمديازت)، مما ساهم في صون هذا التراث الشفهي من الضياع وإتاحته للباحثين في تاريخ الهجرة.
ويعد الرايس إبراهيم بيهتي أحد أهم شعراء الهجرة الأمازيغية. فقد هاجر إلى فرنسا اواخر الستينيات، وعمل في أحد مصانع السيارات بضواحي باريس، وهو ما مكنه من معايشة واقع العمال المهاجرين عن قرب. لذلك جاءت قصائده معبرة عن قضايا الغربة والهوية والحنين، كما تميزت بقوة التعبير، والبعد الاجتماعي، والنقد اللاذع للتحولات التي عرفها المجتمع المغربي تحت تأثير الهجرة، مما جعله يستحق وصفه بـ”شاعر الهجرة بامتياز”.
د.خالد ألعيوض رئيس مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


