الرأيالعالم اليوم

في “جزيرة ليلى”…قال أزنار: «لا حدث»… فحدث بعدها كل شيء.

  • يوسف غريب  //

تأملتُ المشهد الإسباني طويلًا فوجدتني أمام شخصيتين تسكنان جسدًا واحدًا إسبانيا المؤسسات التي ترتدي بدلة العصر وتتحدث بلغة المصالح والشركات.. وإسبانيا أخرى ما تزال بعض نخبها تستيقظ كلما هبت رياح التوتر بين المملكتين لتفتح خزائن التاريخ وتستخرج منها مفردات “الاسترداد” وأشباح القرون الوسطى وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة ولم يمضِ بعدها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه دائما وبإلحاح:
لماذا تصر بعض النخب في مدريد على قراءة مغرب اليوم بنظارات الأمس؟
عند العودة إلى محطات العقدين الأخيرين يبدو واضحًا أن مدريد اعتادت أن تتفاجأ بكل تحول يحققه بلدنا
ففي صيف عام 2002 عندما اندلعت أزمة جزيرة ليلى جاء خطاب العرش للعاهل المغربي بعد أيام قليلة فقط هادئًا ومتزنًا مؤكداً مغربية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ومجددًا الدعوة إلى معالجة الملفات العالقة بالحوار عبر خلية تفكير مشتركة وهي الفكرة التي سبق أن اقترحها الملك الراحل الحسن الثاني.
غير أن الرد الإسباني آنذاك اتسم بقدر كبير من الاستخفاف والإستعلاء حين اختصر رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه ماريا أزنار المشهد كله في عبارة مقتضبة:
«لا حدث».
بدت تلك الكلمات وكأنها تعبير عن قناعة بأن إنزال قوة عسكرية فوق صخرة صغيرة واعتقال جنود مغاربة كفيلان بتجميد التاريخ وأن المغرب سيقبل بالأمر الواقع إلى الأبد.
لكن السنوات أثبتت أن التاريخ لا يتوقف عند التصريحات.
ففي عام 2021 ومع الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عقب استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو اكتشفت إسبانيا أن معادلة «لا حدث» لم تعد صالحة لعالم تغيرت فيه موازين القوى وأن المغرب أصبح يتعامل مع مصالحه وثوابته بمنطق مختلف أكثر وضوحًا وحزمًا.
ورغم ذلك فضلت أصوات سياسية وإعلامية عديدة العودة إلى خطاب التخويف والتحريض مستحضرة مفاهيم
“الخطر القادم من الجنوب” و”الحدود الحضارية لأوروبا” وكأنها تتجاهل التحولات العميقة التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين.
غير أن الوقائع فرضت نفسها.
ففي عام 2022 أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء في تحول شكل محطة فارقة في العلاقات بين البلدين وعكس إدراكًا إسبانيًا بأن معادلات الأمس لم تعد تكفي لفهم واقع اليوم.
واليوم، ومع هذا التوتر الجديد ترتفع أصوات اليمين والشعبويين مجددًا محذرة من “الغزو” و”الخطر القادم من الجنوب”.
غير أن ما يجري خلف ضجيج المنابر الإعلامية يبدو أكثر أهمية إذ بدأت داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية الإسبانية تُطرح أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الجرأة من قبل:
ما هو الوضع القانوني والدستوري الدقيق لسبتة ومليلية؟ وهل يختلف عن وضع بقية الأقاليم الإسبانية؟
والجواب يكشف جانبًا مهمًا من خصوصية هذا الملف فالأقاليم السبعة عشر مثل كاتالونيا والأندلس وإقليم الباسك وغاليسيا وجزر الكناري وجزر البليار تتمتع جميعها بوضع دستوري كامل باعتبارها جماعات ذاتية الحكم مع برلمانات وسلطات تنفيذية واختصاصات تشريعية واسعة ينظمها الباب الثامن من الدستور الإسباني. أما سبتة ومليلية فلا تحملان هذه الصفة بل تتمتعان منذ عام 1995 بوضع “المدينتين ذاتيتي الحكم وهو نظام قانوني يمنحهما صلاحيات إدارية أضيق ولا يرقى إلى المكانة الدستورية التي تتمتع بها الأقاليم الأخرى.
واللافت أن الدستور الإسباني لا يتضمن نصًا يقرر عدم جواز التفاوض بشأن المدينتين أو يمنحهما حصانة دستورية خاصة كما أنه لم يمنحهما المكانة الدستورية نفسها التي تتمتع بها الأقاليم ذاتية الحكم.
ولذلك يظل مستقبلهما من منظور القانون الدستوري الإسباني مرتبطًا بالإرادة السياسية للدولة الإسبانية وبما قد تفرضه التحولات التاريخية والعلاقات الثنائية وهو ما يفسر اتساع النقاش داخل إسبانيا نفسها حول كيفية مقاربة هذا الملف في المستقبل.
فشكراً للسيد أزنار لأن “لا حدثه” ذاك كان صيحة استيقاظ جرفت أوهام الثقة وحركت في عمق الوعي الإستراتيجي حقيقة كبرى مفادها أن لا مكان في هذا العالم للضعفاء وأن الحقوق لا تُستجدى بل تُنتزع بمنطق القوة والسيادة.
واليوم فيما يُفتح ملف سبتة ومليلية على طاولة النقاش الإسباني بجرأة لم تكن متوقعة يتجلى الدرس الأبلغ وهو أن التاريخ لا يصنعه من يكتفون بإنكار الواقع بل يكتبه من يمتلكون رؤية واثقة وإرادة صلبة وقدرة على فرض معادلات جديدة لا يمكن تجاوزها…
شكرا لقيادتنا الرشيدة

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto