
زاكورة بين حشود الأحزاب وعطب التنمية: قراءة في الاستعدادات الانتخابية ومفارقة الجهوية المتقدمة او الموسعة
- زاكورة : قاسم عبد اللطيف //
على وقع التحضيرات للاستحقاق الانتخابي المقرر في 23 شتنبر 2026، يعيش إقليم زاكورة، وهو جزء من جهة درعة-تافيلالت، حراكا سياسيا مكثفا يعكس إلى حد كبير الديناميكية الوطنية، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول مدى قدرة النخب المحلية على تجاوز منطق الاستقطاب الانتخابي الضيق لصالح رؤية تنموية شاملة تستجيب للتحديات الهيكلية التي تعاني منها المنطقة. فبينما تتنافس الأحزاب السياسية على ملء القاعات واستقطاب الأنظار، يظل الرهان الحقيقي منصبا على إن كانت هذه الانتخابات ستشكل فرصة حقيقية لتفعيل الجهوية المتقدمة او الموسعة وتحقيق العدالة المجالية و العدالة الاجتماعية ، أم ستظل مجرد محطة عابرة لتجديد النخب دون معالجة “عطب التنمية” و التنمية المستدامة للواحات المزمن الذي يدفع شباب الإقليم نحو الهجرة وفقدان الأمل.
المشهد الحزبي بزاكورة: تنافس الوجوه و”ميركاتو” الانتخابات:
تشهد الساحة السياسية بإقليم زاكورة حراكا لافتا مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث كشفت معظم الأحزاب عن وكلاء لوائحها في دائرة زاكورة التي تخصص لها وزارة الداخلية ثلاثة مقاعد في مجلس النواب و نائبة او اثنين عن الجهات في إطار الكوطا النسائية . ويعكس هذا التنافس صراعا محتدما بين أحزاب الأغلبية والمعارضة، تتقاطع فيه الاعتبارات الجهوية والقبلية مع الديناميكيات الوطنية.
فقد جدد حزب التجمع الوطني للأحرار، متزعم الأغلبية الحكومية، الثقة في البرلماني الحسين وعلال ( برماني سابق في انتخابات 1997) ، الذي حصل في انتخابات 2021 على 24 ألف و106 أصوات، في محاولة للحفاظ على مقعده البرلماني . ويأتي هذا التوجه في سياق حرص الحزب على إعداد برنامجه الانتخابي “انطلاقا من الواقع الميداني والإنصات المباشر للمواطنين”، وفق ما أكده رئيس الحزب محمد شوكي خلال لقاء تواصلي بمدينة زاكورة . غير أن هذا الخطاب، الذي يركز على “تقديم حلول واقعية تستجيب لانتظارات مختلف جهات المملكة” ، يصطدم بواقع التنمية المتردي في الإقليم، مما يثير تساؤلات حول جدوى هذه الوعود في غياب ترجمة فعلية على أرض الواقع.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد راهن على استقطاب رجل الأعمال يوسف أمنزو، الذي سبق أن ترشح في انتخابات 2021 بألوان الحركة الشعبية دون أن ينجح، ليكون وكيل لائحة الحزب . وقد نظمت الأمانة الإقليمية للحزب لقاء تواصليا حاشدا حضره كتاب دولة وقيادات وطنية، لتقديم أمنزو كمرشح رسمي . ويعتبر أمنزو، بصفته صاحب شركة “ألمو” للنقل، شخصية اقتصادية بارزة في المنطقة، مما يمنحه حضورا ميدانيا قويا، لكنه يطرح أيضاً أسئلة حول نفوذ المال في العملية الانتخابية وإمكانية تحوّله إلى عامل ترجيح لصالح المرشحين ذوي الإمكانات المادية على حساب البرامج السياسية.
وفي المقابل، جدد حزب الاستقلال الثقة في البرلماني ميمون عميري، الذي حل ثانيا في انتخابات 2021 بـ 20 ألف و341 صوتا، في محاولة للحفاظ على مقعده . أما حزب العدالة والتنمية، فرشح لحسن واعرى، وهو رئيس المجلس البلدي السابق لزاكورة ونائب برلماني سابق، في مسعى لاستعادة مواقع الحزب بعد الهزيمة المدوية في 2021 . ويشير هذا التنافس بين الوجوه القديمة والجديدة إلى استمرار منطق “الميركاتو” الحزبي، حيث تطغى الاعتبارات الشخصية والعائلية و الاثنية و القبلية على البرامج السياسية، ويعكس صعوبة تجديد النخب المحلية وتحررها من التبعات التقليدية.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيعول على القيادي عبد الرحيم شهيد، عضو المكتب السياسي و رئيس المعارضة الاتحادية بالبرلمان ، الذي تصدر نتائج انتخابات 2021 بـ 21 ألف و435 صوتا لولاية اخرى. ويضاف إلى هذه الأسماء، حزب التقدم والاشتراكية الذي رشح يوسف ياسين، الكاتب الإقليمي، وتحالف اليسار الذي دخل الانتخابات بشكل مشترك و وجه جديد. و من أكدز عن الحركة الشعبية مراهنة عن عضو لجماعات اكدز في الرهان رغم الشكوك حول وضعيته الحزبية كنائب جماعة تنسيفت عن حزب الاتحاد الاشتركي في الولاية الحالية للجماعات ! و اخرون… و الرهان الحغرافي بواحة مزگيطة او ربما كسر شوكة الاخرين وفق حسابات أخرى.. .
الحشود الانتخابية مقابل التنمية المستدامة: مفارقة زاكورة:
في تحليل معمق للمشهد، يطرح سؤال جوهري حول ما إذا كان هذا الحراك الحزبي يعكس فعلا اهتماما حقيقيا بتحديات الإقليم، أم أنه مجرد استعراض انتخابي مؤقت. فكما لاحظت تحليلات محلية، “في السياسة، قد يكون من السهل ملء القاعات، والتقاط الصور، وإطلاق الشعارات. لكن الأصعب بكثير هو ملء خزانات الماء، وخلق فرص الشغل، وحماية الواحات، وإعادة الثقة إلى المواطن في الخدمات الصحية و التعليمية و.. ” . وهذا يضع إقليم زاكورة أمام مفارقة واضحة: بين من يربح الحشود، ومن يربح زاكورة .
فالتحديات التنموية التي تعاني منها المنطقة، والتي تشمل ندرة المياه وتدهور الواحات وارتفاع معدلات البطالة وضعف البنية التحتية، تظل بعيدة عن صميم النقاشات الانتخابية التي تركز على الاستقطاب الحزبي والتنافس على المقاعد. ففي الوقت الذي تشهد فيه القاعات الانتخابية إقبالا كثيفا من حشود مواطنات و مواطنين يتعلقون كما الغريق عن القشة للانقاد ، تبقى مشكلات الماء والصحة والتعليم والشغل و السكن و الاراضي السلالية قائمة دون حلول جذرية، مما يغذي موجات الهجرة الجماعية التي شهدتها عشر سنوات سابقة بتقليص عدد سكان إقليم زاكورة ب اكثر من 22000 نسمة. من 307,306 نسمة في احصاء 2014 إلى 285,545 نسمة في إحصاء سنة 2024. و تصاعف النقص صيف 2026 الى اقل من 270000 نسمة ، ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الجهوية المتقدمة او الموسعة بين النص والتطبيق: رهان زاكورة:
في هذا السياق، يكتسي ملف الجهوية المتقدمة او الموسعة أهمية خاصة لإقليم زاكورة. فقد أكدت التوجيهات الملكية أن نموذج الجهوية يشكل ركيزة أساسية للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، ويهدف إلى تحقيق نقلة نوعية في تدبير الشأن العام عبر الانتقال من المقاربات التقليدية إلى تنمية مجالية مندمجة تراعي الخصوصيات المحلية وتعزز التضامن بين المجالات الترابية. غير أن تفعيل هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة في جهة درعة-تافيلالت، حيث لا تزال الإمكانات المالية والبشرية والاختصاصات تتركز في المركز، بينما تعاني الجهات من محدودية الموارد وضعف الحكامة المحلية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل النخب السياسية المتنافسة في زاكورة واعية بالمرحلة المقبلة التي تتطلب تفعيلا جادا للجهوية المتقدمة او الموسعة كمدخل لتجاوز التهميش وتحقيق التنمية المستدامة؟ و عن اية جهة تصلي اقاليم الجهة بعد التقسيم الجهوي المرتقب؟ فالنقاشات التي تطرحها الأحزاب في لقاءاتها، رغم حرص بعضها على إبراز البعد التنموي، تظل في الغالب أسيرة الخطابات العامة وتعهدات الدعم للسياسات الحكومية، دون تقديم رؤى واضحة حول آليات نقل الاختصاصات والموارد للجماعات الترابية مع نقل الاختصاصات ، أو كيفية إشراك المواطنات و المواطنين في تدبير شؤونهم المحلية. وهذا يعكس فجوة بين الطموحات الوطنية والإمكانات المحلية، ويتطلب نخب محلية و برلمانا وحكومة مقبلين قادرين على تجاوز منطق المركزية وتمكين الجهات من أدوات الحكامة الجيدة.
خاتمة: بين رهان الحشود ومتطلبات التنمية:
يقف إقليم زاكورة، في خضم هذا الاستحقاق الانتخابي، أمام مفترق طرق مصيري. فبينما تخوض الأحزاب معركة النفوذ في إطار “ميركاتو” سياسي محموم، يظل الرهان الحقيقي منصبا على مدى قدرة النخب القادمة على تحويل المكاسب الدبلوماسية والاقتصادية الكبرى التي حققها المغرب (مشاريع الطاقة و المعادن ، الجهوية المتقدمة او الموسعة، استضافة كأس العالم) إلى فرص حقيقية للتنمية المحلية. إن أسئلة الثقة في المؤسسات، وعدالة توزيع الثروات، وفعالية الجهوية المتقدمة او الموسعة، هي وحدها التي ستحدد إن كان هذا الإقليم سيكون جزءا من التحول الاستراتيجي المغربي، أم سيبقى رهينة للتناقضات الداخلية التي تدفع شبابه بل الاسر نحو المخاطرة بالهجرة. وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستكون انتخابات 2026 مجرد محطة لتجديد النخب، أم نقطة تحول حقيقية في مسار التنمية بزاكورة، تجيب عن سؤال “من يربح زاكورة؟” ببرامج واقعية لا بحشود مؤقتة؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



