
لماذا عادوا من “فردوس” سبتة؟..
لأول مرة منذ عقود لم يكن الحدث هو اقتحام شباب مغاربة لسبتة بل عودتهم منها.
كانت الصورة التي تناقلتها الصحافة الإسبانية ووسائل التواصل الاجتماعي غير مألوفة:
شباب يخاطرون للوصول إلى المدينة ثم يقرر معظمهم العودة إلى المغرب بعد وقت قصير…بدا الأمر وكأنه انقلاب على سردية قديمة طالما اعتبرت أن الوصول إلى سبتة هو بداية الطريق إلى “الفردوس الأوروبي”.
غير أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا عادوا؟
بل: لماذا كنا نتوقع ألا يعودوا…؟
لقد ظل الوعي الجماعي المغربي أسير صورة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي حين كانت سبتة ومليلية تمثلان منفذين شبه مفتوحين نحو أوروبا
آنذاك كان شمال المغرب يعيش واقعًا مختلفًا بنية تحتية محدودة فرص استثمار قليلة ومدن حدودية تعتمد إلى حد كبير على التهريب المعيشي والتجارة غير المهيكلة…كانت المقارنة تميل تلقائيًا لصالح الضفة الأخرى.
أما اليوم فإن المشهد تغير بصورة جذرية.
من طنجة إلى السعيدية يمتد شريط متوسطي لم يعد يشبه نفسه قبل عشرين عامًا. طنجة تحولت إلى قطب صناعي ولوجستي عالمي بفضل ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح من أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا واستقطب مئات الشركات الصناعية في مجالات السيارات والطيران والنسيج والخدمات اللوجستية
والقنيطرة وطنجة أصبحتا مركزين لصناعة السيارات الموجهة للتصدير فيما شهدت تطوان والمضيق والفنيدق والحسيمة والناظور استثمارات في الطرق والموانئ والمناطق السياحية والخدمات.
كما أن الطريق السريع والشبكة الطرقية والربط السككي قلّصت المسافات وربطت شمال المملكة بمراكزها الاقتصادية الكبرى بينما تستعد مشاريع استراتيجية مثل ميناء الناظور غرب المتوسط لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجهة الشرقية وربطها بشكل أكبر بسلاسل التجارة الدولية.
وليس من المبالغة القول إن شمال المغرب يعيش اليوم أكبر عملية تحول اقتصادي منذ الاستقلال.
لكن إذا كان كل هذا قد تحقق فلماذا لا يزال بعض الشباب يغامر بحياته؟
الجواب أن التنمية مهما كانت قوية لا تُترجم بالسرعة نفسها إلى فرص يشعر بها جميع الشباب…فهناك فجوة بين المشاريع الكبرى وبين أثرها المباشر على فئات تعاني البطالة أو الهشاشة أو ضعف التأهيل… لذلك يظل حلم الهجرة حاضرًا لا لأن المغرب لم يتغير، بل لأن وتيرة التغيير لا تصل إلى الجميع بالقدر نفسه.
في المقابل تغيرت سبتة أيضًا
لم تعد المدينة الأوروبية الصغيرة بوابة سهلة إلى مدريد أو باريس
فبعد أزمة 2021، تشددت الرقابة الحدودية وتعزز التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا وأصبح الوصول إلى سبتة لا يعني إطلاقًا الوصول إلى أوروبا فالمهاجر يجد نفسه داخل مدينة محدودة المساحة والإمكانات يخضع لإجراءات قانونية معقدة ولا يملك ضمانًا للانتقال إلى البر الإسباني.
وهنا تتبدد الصورة التي صنعتها سنوات من الحكايات المتداولة ومقاطع الفيديو على وسائل التواصل.
إن العودة الجماعية من سبتة ليست دليلًا على نهاية حلم الهجرة لكنها دليل على نهاية وهمٍ قديم:
وهم أن مجرد اجتياز السياج يفتح أبواب أوروبا.
لقد تغيرت الجغرافيا على الضفتين معًا شمال المغرب لم يعد ذلك الهامش المنسي وسبتة لم تعد ذلك المعبر السهل وبين هذين التحولين يقف جيل جديد يبحث عن مستقبل أفضل.. لكنه يكتشف أن الطريق إليه لم يعد كما كان.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نستخلصه من مشهد العودة.
فالرهان اليوم لا ينبغي أن يكون على منع الشباب من الحلم بل على جعل الحلم ممكنًا داخل وطنه… فالموانئ والمناطق الصناعية والطرق السيارة والاستثمارات الكبرى ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة لخلق فرص عمل وتوسيع الطبقة الوسطى وربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.
حين يشعر الشاب بأن طنجة والناظور والحسيمة وتطوان والسعيدية ليست مجرد مدن تتزين بالمشاريع بل فضاءات تمنحه فرصة حقيقية لبناء حياته..
عندها فقط ستفقد الهجرة السرية بريقها ليس بفعل الأسلاك الشائكة بل بفعل الأمل.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه في مشهد سبتة الأخير أن الذين عادوا لم يعودوا لأن الحدود أُغلقت وإنما لأنهم اكتشفوا أن “الفردوس” الذي كانوا يطاردونه لم يعد كما تخيلوه بينما الوطن الذي غادروه لم يعد هو الآخر كما تركته ذاكرة الآباء…
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



