الجهة اليوم

اشتوكة أيت باها… حين يصبح الدفاع عن المكان دفاعًا عن الكرامة

  • د.خالد ألعيوض //

ليست الأوطان مجرد حدود جغرافية، وليست الأقاليم مجرد تقسيمات إدارية، وإنما هي ذاكرة جماعية، وتاريخ مشترك، ورأسمال رمزي تشكل عبر قرون من الكفاح والعمل والإبداع. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن اشتوكة أيت باها ليس دفاعًا عن مجال ترابي فحسب، بل هو دفاع عن الإنسان الذي صنع هذا التاريخ، وعن كرامة مجتمع ظل حاضرًا في كل المحطات الكبرى التي عرفها المغرب.

إن اشتوكة أيت باها ليست منطقة هامشية كما قد يتصور البعض، بل هي إحدى الحواضن التاريخية للدولة المغربية. فقد أسهمت قبائلها، إلى جانب قبائل المصامدة، في بناء الدولة الموحدية، كما احتضنت منطقة تيدسي، المعروفة بأم الجريد، البدايات الأولى للدولة السعدية. ولم يكن أبناء الإقليم يومًا على هامش التاريخ، بل كانوا في صلبه، يشاركون في صناعة التحولات السياسية والعسكرية والثقافية للمغرب.

وعندما فرض الاستعمار الفرنسي والإسباني وجوده على البلاد، كانت قبائل اشتوكة من بين آخر القبائل التي استسلمت، بعد سنوات طويلة من المقاومة المسلحة، وقدمت عشرات الشهداء دفاعًا عن الأرض والكرامة. ولا تزال ذاكرة المقاومة حية في وجدان الساكنة، كما تحفظها المعالم التذكارية والرواية الشفوية التي تناقلتها الأجيال.
ولم يقتصر إسهام الإقليم على المقاومة، بل امتد إلى الحركة الوطنية وجيش التحرير، حيث قدم شخصيات وطنية بارزة، من أبرزها محمد بن سعيد آيت إيدر، الذي ظل رمزًا للنضال الوطني والديمقراطي، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في ترسيخ قيم الحرية والاستقلال.

أما في المجال العلمي، فقد أنجبت اشتوكة أيت باها نخبة من العلماء والفقهاء والمتصوفة الذين أثروا الحياة الفكرية والدينية بالمغرب، وجعلوا من المنطقة فضاءً للإشعاع العلمي. كما شكلت الزوايا والمواسم الدينية مدارس للتربية الروحية والتضامن الاجتماعي، وأسهمت في الحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال المتعاقبة.

ولم تكن المرأة الاشتوكية غائبة عن هذا المسار، بل كانت شريكًا في بناء المجتمع، وحاملةً لقيم التضامن والعمل والإنتاج، وحافظةً للذاكرة الجماعية. فحضورها لم يكن استثناءً، بل كان امتدادًا لثقافة محلية تؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء.

إن الحديث عن اشتوكة أيت باها اليوم ينبغي أن يستحضر أيضًا التجربة التنموية التي قادها أبناء الإقليم، خاصة منذ تسعينيات القرن الماضي. ففي ظل محدودية الإمكانات، وعدم عدالة توزيع الاستثمارات العمومية، اختارت الساكنة طريق المبادرة الذاتية. فكانت جمعيات القرب نموذجًا وطنيًا في إيصال الماء الصالح للشرب والكهرباء إلى الدواوير، وفك العزلة عن العالم القروي، قبل أن تصبح هذه التجارب مرجعًا في التنمية المحلية بالمغرب.

كما كان الإقليم رائدًا في محاربة الهدر المدرسي، عبر إرساء واحدة من أكبر شبكات النقل المدرسي على الصعيد الوطني، التي مكنت آلاف التلميذات والتلاميذ من مواصلة تعليمهم، وخاصة الفتيات في المناطق القروية. وهي تجربة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان كان دائمًا الخيار الاستراتيجي لأبناء اشتوكة.

ومن هذا المنطلق، فإن وصف الإقليم بصفات تنتقص من تاريخه أو من قدرات ساكنته لا يخدم النقاش العمومي، لأن النقد الحقيقي لا يكون بإضعاف الانتماء، وإنما بتعزيزه، ولا يكون بتبخيس الإنجازات، وإنما بالبناء عليها لتصحيح الاختلالات المتبقية.

لقد تعلمنا، داخل الحركة الحقوقية، أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن كرامة الإنسان تبدأ من احترام هويته، وذاكرته، ومجاله الذي ينتمي إليه. ولذلك فإن الدفاع عن اشتوكة أيت باها ليس تعبيرًا عن عصبية محلية أو انغلاق مجالي، وإنما هو دفاع عن العدالة المجالية، وعن حق كل جهة في أن يُنظر إليها بعين الإنصاف، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام الجاهزة.

إننا لا ندعي الكمال، فالإقليم ما زال يواجه تحديات اجتماعية وتنموية حقيقية، لكننا نؤمن بأن هذه التحديات لا تُواجه بالتقليل من قيمة الإنسان، وإنما بالاعتراف بما تحقق، واستكمال ما لم يتحقق، في إطار رؤية تنموية عادلة ومتوازنة.

وفي الأخير، فإن رسالتي ليست موجهة ضد أحد، وإنما هي دعوة إلى إعادة الاعتبار لذاكرة مكان صنع رجالًا ونساءً خدموا وطنهم بإخلاص، وأسهموا في بناء الدولة والمجتمع. فاختلاف المواقف السياسية أمر طبيعي، أما كرامة الأوطان الصغيرة، وكرامة الناس الذين ينتمون إليها، فهي فوق كل خلاف.

أفتخر بانتمائي إلى اشتوكة أيت باها، لا لأنها كاملة، بل لأنها علمت أبناءها أن الكرامة تُبنى بالعمل، وأن حب الأرض ليس شعارًا، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية.

د.خالد أعيوض :  أشتوكة أيت باها – رئيس مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto