
الهجرة في زمن الحدود التائهة..قراءة أنثروبولوجية لأحداث سبتة
- محمد بكريم //
أكادير اليوم – كيف نقرا الأحداث الاستثنائية التي شهدها ثغر سبتة خارج الاسقاطات “المتسرعة” والمغرضة بل والمتهافتة. نعم إن عنف محتوى الصور المتداولة لا يوازيه الا عنف الاستغلال البشع واللاأخلاقي لهذه الصور من طرف تجار المآسي.
ى نسعى لقراءة متأنية تذكرنا بأننا لسنا بصدد حدث أمني عابر أو “أزمة حدودية” بين “دولتين” كما يروج الاعلام الاوروبي، بل هي لحظة كاشفة لتفكك المفاهيم الكلاسيكية أمام واقع إنساني جديد. إن ما حدث، بكل ما حمله من دلالات مشهدية وتراجيدية، يضعنا أمام ضرورة إعادة تنظيم أدواتنا النظرية والفكرية لنفهم: هل نحن أمام “أزمة هجرة” أم أمام تحول عميق في حركة الكائن البشري على سطح الأرض؟ وفي بعض الذكر معنى.
التذكير الاولي، أنثروبولوجي لنقول إن الهجرة هي بمثابة “براديغم” مؤسس للوجود الإنساني. من الخطأ المنهجي والفكري اختزال الهجرة في مجرد “مشكلة ديموغرافية” أو “ملف أمني”. الأنثروبولوجيا تخبرنا أن الإنسان في أصله كائن رحال (Homo Migrans)، وأن التوطن داخل الحدود هو الطارئ في التاريخ البشري وليس الأصل.
ولنستلهم من عمقنا الثقافي والديني بعض الدروس. لم تكن الهجرة يوماً مجرد اضطرار، بل كانت فعلاً تأسيسياً. فهجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة كانت بحثاً عن “الكرامة الإنسانية” والحرية (لنتذكر المشهد الخالد في فيلم “الرسالة” لمصطفى العقاد)، قبل أن تكون فراراً من البطش. ثم الدرس البليغ الذي تجسده الهجرة النبوية الشريفة من مكة إلى المدينة والتي كانت لحظة ميلاد لنموذج حضاري وسياسي جديد، حتى أصبحت تاريخاً يبدأ منه التقويم الإسلامي.
وقبل هذا وبعده هناك القيم الإيمانية والأبعاد الوجودية للهجرة. يسند هذا المعنى المنظور الإيماني الذي يجعل من الحياة برمتها رحلة عبور وعودة إلى الأصل، كلنا على هذه الأرض مهاجرون الى الله. “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” (الانشقاق: 6). الإنسان في هذا المعنى “مهاجر دائم”، والانتقال الجغرافي ليس سوى انعكاس بسيط لهذه الدينامية الوجودية المستمرة.
ثم غاب عن هذه القراءات المتهافتة أن مفهوم “الهجرة” أصبح متجاوزا وغير اجرائي. فمن الاجدر الحديث اليوم عن “حركية الساكنة العالمية”. العالم المعاصر لم يعد يتسع لمفهوم “الهجرة” بمعناه التبسيط القديم (انتقال من نقطة “أ” إلى نقطة “ب”). نحن نعيش عصر حركة الساكنة الشاملة. أسوق في هذا الاتجاه ما تشهده منطقة شتوكة أيت بها في جهة سوس وهو دليل قاطع على أن دينامية العبور لم تعد تقتصر على رغبة الوصول إلى أوروبا، بل أصبحت تعيد تشكيل المجتمعات المحلية نفسها والتي تعرف تشكل ديموغرافي جديد. وجود قرى كاملة تعيش حراكاً لغوياً وثقافياً بفعل استقرار اليد العاملة القادمة من مالي، النيجر، والسنغال في القطاع الفلاحي التصديري. تماما كما كان يقال إن اللغة الام في منطقة بني ملال تادلا هي…الايطالية
يحكي الخبير المغربي خالد العيوض، المختص في قضايا الهجرة والتنمية حالة احتفاء مدرسي بمنطقة شتوكة بتلميذة من أصول جنوب الصحراء لنجاحها وانتقالها للتعليم الثانوي. دليل آخر على أن “الهوية” لم تعد تُبنى على الدم أو العرق، بل على العيش المشترك والاندماج في النسيج السوسيو-اقتصادي.
ذهب البعض الى التباكي على “صورة” المغرب ساكتا عن التناقض البنيوي وازدواجية المعايير في الخطاب حول الهجرة. أحد أهم المفاتيح لفهم ما حدث في سبتة هو حجم التناقض الصارخ في التعاطي الاجتماعي والسياسي مع المفهوم في حد ذاته. فيتم السكوت عن هجرة النخب والاطر حيث تتباهي فئات من الطبقة السائدة بامتلاك جواز سفر إضافي. وغالبية النخب تدفع بأبنائها للتجنس والدراسة بالخارج. المغاربة حسب احصائيات جديدة هم ثاني جالية في طلبات التجنيس في الفضاء الأوروبي.
هذه الازدواجية تخلق شحنة نقمة لدى الشباب الذي يرى كيف أن “حق التنقل” أصبح امتيازاً طبيعياً يُباع ويُشترى أو يمر عبر الامتيازات وشبكة العلاقات، بينما يُحرم منه من لا يملك سوى جسده وأمله.
وهذا ما يمكن أن يفسر أن اختراق الحدود كـ “احتفال شبابي” مرفقا بشارات النص. مجموعة من العلامات شهدناه على حدود سبتة تقول ان ما يجري ليس مجرد محاولة محددة للهرب، بل تحول إلى ظاهرة شبكية ومجتمعية لها طابع الجاذبية والاحتفال الشبابي (Subculture). لقد أصبح “اختراق الجدار” في تمثلات العديد من الشباب نوعاً من إثبات الذات، والتمرد على الواقع، واختبار الشجاعة، رغم الحجم التراجيدي المؤلم لارتفاع أعداد الضحايا والمفقودين.
لا يمكن فصل هذا التمرد الشبابي عند الحدود عن تحول بنيوي أعمق في بيئتهم المنشئة؛ فباستعارة المنظور الخلدوني لجدلية “العمران ا لبداوي – العمران الحضري”، نجد أن مفهوم “بلاد السيبة” بما هو فضاء خارج عن سيطرة المركز وضوابطه – لم يعد مجرد جغرافيا قروية أو جبلية نائية كما كان قديماً، بل انتقل إلى قلب “مدن الأسفلت” وأحزمة الضواحي الهامشية.
هؤلاء الشباب هم في واقع الأمر “البدو الجدد”؛ يقطنون هوامش حضرية تئن ليس فقط تحت وطأة الفقر المادي، بل تحت ثقل “البؤس الرمزي” والجفاف الجمالي؛ فهي فضاءات “منكوبة جمالياً” تفتقر إلى المعنى والإمكانيات الثقافية التي تمنح الإنسان اعترافاً بذاته. وفي غياب “العصبية” الاجتماعية التقليدية أو الاندماج الحضري الفعلي، تتشكل لدى هؤلاء الهامشين “عصبية جديدة” أو هوية تمردية تعبر عن نفسها برفض نظم المركز وقوانينه. إن محاولة “اقتحام السياج” هي في جوهرها امتداد لحركة “السيبة الرمزية”؛ حيث يصبح العابِرُ للحدود ثائراً على بؤس الضاحية، ومطالباً ببطولة فردية تعوضه عن التهميش الجمالي والاجتماعي الذي يُفرض عليه في مدن الأسمنت. وفي هذا السياق، يمكن قراءة فعل العبور ليس فقط كهروب، بل كفعل أتوبي نقدّي؛ إذ إن هذا النشوب المفاجئ لموجة الشباب المهاجر قد خلخل روتين هذا الصيف الجاف؛ إذ بثّ دينامية حية في أوصال جمود سائد، وأعاد توجيه النظر نحو الحاجة إلى “الأتوبيا” (اليوتوبيا) لفك أسر الفكر من قيود أيديولوجية المؤسسات السائدة. يعلمنا “بول ريكور” أن الأتوبيا تمنحنا القدرة على تجنب النظر إلى الواقع باعتباره ضرورة حتمية أو أمراً لا مفر منه (وهو ما تفضله الأيديولوجيا)؛ فالأتوبيا تقترح علينا واقعاً جديداً ممكناً. وهذا بالضبط ما يخبرنا به هؤلاء الشباب: إن الوظيفة الأكثر إيجابية للأتوبيا هي استكشاف الممكن؛ حيث تتجلى كبديل نقدي لما هو قائم. وبعبارة أخرى أعلنوا عن برنامجهم الانتخابي…
الخطابات المرافقة لهذه الأحداث في الضفة الأخرى تنم عن حالة من الفزع الوجودي لدى القوى المحافظة واليمين المتطرف، والسبب لا يعود فقط للعدد (يتم تضخيمه بشكل لافت مدعما بصور “مركبة”)، بل لأن هذه المشاهد تعلن بوضوح سقوط أسطورة “القلعة المغلقة”: التقنيات الأمنية والجدران العالية لم تعد قادرة على إيقاف تدفقات بشرية تدفعها رغبة عارمة في الحياة.
ثم هناك “انحباس ذهني” لدى غالبية النخب (الإعلامية خاصة) التي لم تستوعب بزوغ هويات عابرة للحدود وبأن العالم يتجه بخطى حثيثة نحو هويات هجينة ومفتوحة لا تعترف بالحدود الوطنية القديمة التي شُكّلت في القرون الماضية وبشكل استعماري (سبتة ومليليه مدينتين مغربيتين).
إن قراءة أحداث سبتة تقتضي التخلي عن النظرة الأحادية التي تُرجع كل شيء إلى الفقر أو الهشاشة الاقتصادية فقط. نحن أمام لحظة تحول تاريخي في مفهوم الجغرافيا السياسية؛ فالشباب اليوم يعيش في عالم رقمي مفتوح بلا حدود (الحضور اللافت للهاتف الذكي لدى هذه الحشود)، ويطالب بواقع يتطابق مع هذا الفضاء المفتوح.
الهجرة لم تكن يوماً جريمة، بل هي الدينامو الذي حرك الحضارات الإنسانية عبر التاريخ. والمشكلة ليست في حركة البشر، بل في البنيات والأنظمة السياسية والاقتصادية التي تحاول سجن الإنسان داخل حدود جغرافية وخطابات هوياتية لا تغني ولا تسمن من جوع.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



