المغرب اليوم

 سبتة المحتلة …من أزمة عبور إلى سؤال الاستعمار

  • يوسف غريب //

قرأتُ ما قاله أحد أساتذة جامعة غرناطة، ولاحظتُ فيه جرأة الأكاديمي حين يتخلى عن النظارات القومية الضيقة ليقدم قراءة مغايرة للأحداث فخلافًا لمن فسروا مشاهد العبور الجماعي إلى سبتة بتفسيرات مبسطة من قبيل اعتبارها مجرد رسالة انتقامية موجهة لحكومة بيدرو سانشيز أو رد فعل على مواقف مرتبطة بأحداث غزة يرى الأستاذ الإسباني أن هذه القراءات تعكس جهلًا بطبيعة صناعة القرار في المغرب أكثر مما تعكس فهمًا لحقيقة ما جرى.

وبحسب تحليله فإن الدبلوماسية المغربية في عهد الملك محمد السادس لا تُدار بمنطق الانفعال أو ردود الأفعال اللحظة بل بمنطق استراتيجي هادئ أشبه بلعبة شطرنج تُدار بأعصاب باردة حيث تُستثمر تناقضات الخصوم وتحولات البيئة الدولية لخدمة المصالح الوطنية العليا.

ويضيف أن المغرب يحرص على إقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية لكنه يظل قبل كل شيء وفيًّا لمصالحه الوطنية ويستشهد بموقف المغرب من الحرب الروسية الأوكرانية حين اختار عدم الحضور في أحد التصويتات الأممية بدل الانخراط في سياسة الاستقطاب وهو ما يراه نموذجًا لدبلوماسية تسعى إلى الحفاظ على هوامش الحركة وتجنب الاصطفافات الحادة

وعند الحديث عن العلاقة مع إسرائيل يشير الأستاذ إلى الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع المغرب بجزء مهم من الجالية اليهودية ذات الأصول المغربية (والتي تُقدّر بنحو 2 م نسمة) وما تمنحه هذه الروابط من قنوات تأثير وحوار معتبرًا أن النفوذ لا يُقاس بالشعارات بقدر ما يُقاس بامتلاك أدوات التواصل والتأثير الفعلي وأعتقد جازما ان المغرب خلال هذه المدة الوجيزة بات من الدول المؤثرة على القرار الدولي ذات الصلة بالمنطقة

وانطلاقًا من هذه الرؤية يخلص الأكاديمي الإسباني إلى أن ما حدث في سبتة لا ينبغي اختزاله في كونه حادثًا حدوديًا عابرًا بل يمكن قراءته باعتباره محطة أعادت قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش الدولي بعدما ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن الاهتمام الإعلامي والسياسي.

فبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التفسير فإن الأزمة أعادت تسليط الضوء على ملف المدينتين المحتلتين وهو ما يمثل في نظره مكسبًا سياسيًا للمغرب لا شك أنه سيُستثمر دوليًا عما قريب مشيرًا إلى الاجتماعات المرتقبة بداية الشهر المقبل بالأمم المتحدة تحت عنوان جلسات ” الأسبوع الرفيع المستوى ”

وفي السياق ذاته يكتسب بلاغ وزارة الداخلية المغربية أهمية خاصة فالبلاغ لم يكن مجرد تقرير تقني يوثّق الجهود المبذولة للحد من تدفقات الهجرة بل حمل في نظر كثير من المراقبين ملامح إدارة تقوم على ما يُعرف بـ ( الغموض الاستراتيجي)

فمن جهة شدد على التزام المغرب بمراقبة حدوده والتعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية بما ينسجم مع التزاماته الدولية ويجنب أي مواجهة مباشرة مع شركائه ومن جهة أخرى لم يسعَ إلى نفي النتائج السياسية التي أفرزتها الأزمة والتي أعادت طرح قضية سبتة ومليلية في النقاش العام الدولي تاركًا الباب مفتوحًا أمام تعدد التأويلات دون تبنٍّ رسمي لأي قراءة سياسية مباشرة

واللافت كذلك أن رد الفعل الأوروبي بدا أقل حدة مما كان عليه خلال أزمة عام 2021؛ إذ لم يتشكل الإجماع السياسي نفسه الذي شهدته تلك المرحلة وهو ما يفسره بعض المحللين بإدراك عدد من العواصم الأوروبية لأهمية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب وصعوبة التضحية بها في سياق أزمة ظرفية.

قد يختلف المتابعون حول صحة هذه القراءة أو حدودها لكن المؤكد أن السياسة الخارجية المغربية لا تُقاس فقط بما يُقال في البيانات الرسمية بل أيضًا بما تُنتجه الوقائع من آثار سياسية واستراتيجية.

وفي هذا الإطار يقدم الأستاذ الإسباني قراءة ترى أن الرباط باتت تميل إلى إدارة الأزمات بأقل قدر من التصريحات وأكبر قدر من توظيف النتائج وهي مقاربة تستحق النقاش سواء انتهى المرء إلى تبنيها أو نقدها.

لكن لكن القراءة الاستراتيجية الشاملة التي تهمّنا كمغاربة تقتضي التذكير بأصل الداء
إذ أرى أن الهجرة الجماعية ليست سوى فرعٍ ممتدٍّ من أصلٍ يتغذى منه اسمه “الاستعمار”.

ووفقاً للقواعد الأصولية والفقهية لا يمكن لـ “منطوق الفرع” أن يتجاوز حُكم “الأصل” أو يعلو عليه سواء في الميزان الشرعي أو في أحكام القانون الدولي.
انتهى الكلام

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto