العالم اليوم

التاريخ لا ينسى… من “بورقعة” الأمس إلى قوارب الموت اليوم: كيف تبدلت الهجرة بين المغرب وإسبانيا وانقلبت موازين الزمن

  • بقلم محمد اعبيدو //

في زمنٍ تتجه فيه أنظار العالم إلى مشاهد آلاف الشباب المغاربة الذين يخاطرون بحياتهم في البحر، أو يحاولون الوصول إلى سبتة المحتلة، بحثًا عن مستقبلٍ يعتقدون أنه أكثر أمنًا وكرامة، قد يبدو للبعض أن الهجرة من الجنوب إلى الشمال كانت دائمًا هي القاعدة. لكن صفحات التاريخ تروي قصة مختلفة تمامًا، قصة تؤكد أن حركة البشر لا تعرف اتجاهًا ثابتًا، وأن الأمم تتبادل المواقع بتبدل الأحوال الاقتصادية والسياسية.

قبل أكثر من قرن، ومع بدايات القرن العشرين، وخاصة بعد فرض نظام الحماية الإسبانية على شمال المغرب سنة 1912، كانت إسبانيا نفسها تعيش أوضاعًا اقتصادية واجتماعية قاسية. فقد دفعت البطالة والفقر وانعدام فرص العيش الكريم آلاف الإسبان إلى مغادرة بلدهم، متجهين نحو شمال المغرب، حيث كانوا يأملون في العثور على عمل أو مورد رزق يؤمن لهم حياة أفضل.

وفي الذاكرة الشعبية المغربية بقي لقب “بورقعة” شاهدًا على تلك المرحلة. فقد كان المغاربة يطلقون هذا الوصف على عدد من الإسبان الفقراء الذين كانوا يصلون إلى المغرب وهم يرتدون ثيابًا قديمة كثيرة الرقع، في صورة تختزل حجم المعاناة التي عاشها كثير منهم آنذاك. ولم يكن اللقب يحمل بالضرورة معنى الاحتقار، بقدر ما كان وصفًا اجتماعيًا لواقع فرضته ظروف الفقر والهجرة.

ولا تقتصر هذه الصورة على الروايات الشفوية، بل تشير مراسلات الحاج عبد السلام بنونة، أحد رواد الحركة الوطنية المغربية، إلى جانب وثائق صادرة عن الحكومة الخليفية، إلى انشغال السلطات المغربية آنذاك بتزايد تدفق الإسبان الفقراء إلى المنطقة الخليفية، وما ترتب على ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية، حتى إن مراسلات رسمية وُجهت إلى حكومة مدريد تدعوها إلى معالجة هذه الظاهرة والحد منها.

وكان ميناء العرائش شاهدًا حيًا على جانب من هذه المرحلة التاريخية. فقد كان من أهم موانئ المغرب وأكثرها نشاطًا، وكان يمثل المنفذ البحري الطبيعي لمدينة فاس، عاصمة المغرب آنذاك. وكانت السفن التجارية القادمة والمحملة بالبضائع والحبوب تربط بين الضفتين، وتحمل معها أيضًا مهاجرين إسبانًا فقراء يبحثون عن فرصة للحياة والعمل في المغرب. وتشير بعض الروايات المحلية إلى أن بعض هؤلاء المهاجرين كانوا يسافرون في ظروف بالغة الصعوبة، بل وتصف بعض الشهادات الشفوية محاولات للتسلل مع السفن التجارية، وهي روايات تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق التاريخي.

لقد كان المغرب، في تلك الحقبة، بالنسبة لكثير من الإسبان، أرضًا للأمل وفرصة للنجاة من الفقر، تمامًا كما أصبحت إسبانيا اليوم بالنسبة لآلاف الشباب المغاربة الذين يدفعهم اليأس إلى ركوب البحر، سواء عبر قوارب الهجرة غير النظامية أو بمحاولات جماعية للوصول إلى سبتة المحتلة.

إن المقارنة بين هاتين الصورتين لا تهدف إلى التشفي من أحد، ولا إلى التقليل من كرامة أي شعب. فالفقر لا جنسية له، والهجرة ليست عيبًا، وإنما هي صرخة إنسان يبحث عن حياة أفضل.

فبالأمس، كان الإسباني يعبر البحر نحو المغرب هربًا من الجوع، واليوم يعبر المغربي البحر نحو إسبانيا بحثًا عن الأمل. وبين المشهدين أكثر من قرن من التحولات الاقتصادية والسياسية التي قلبت موازين المنطقة.

لقد تغيرت إسبانيا جذريًا بعد انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي سنة 1986، واستفادت من برامج التنمية والاستثمارات والإصلاحات الاقتصادية، فتحولت من بلدٍ كان يصدر المهاجرين إلى دولة تستقبل الملايين منهم، وأصبحت واحدة من أكبر اقتصادات أوروبا وأكثرها جذبًا لليد العاملة.

وفي المقابل، ما تزال مشاهد الهجرة المؤلمة من السواحل المغربية، ومن محاولات الوصول إلى سبتة ومليلية، تطرح أسئلة مؤلمة حول مستقبل الشباب، وحول العدالة الاجتماعية، والتنمية، وتكافؤ الفرص.

إن التاريخ لا يُستحضر لإحياء الأحقاد، ولا لتبادل السخرية بين الشعوب، بل ليذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة: لا توجد أمة محصنة ضد الفقر، ولا شعب مكتوب عليه الازدهار إلى الأبد. فالأمم تصعد بالعلم والعمل والحكامة الرشيدة، وقد تتراجع إذا غابت عنها أسباب التقدم.

إن مأساة شباب المغرب اليوم يجب أن تدفع الجميع إلى التفكير في حلول حقيقية، لا إلى إطلاق الأحكام. كما أن استحضار هجرة الإسبان الفقراء إلى المغرب قبل قرن ينبغي أن يكون مناسبة لترسيخ التعاطف الإنساني، لأن من عرف مرارة الهجرة في الأمس، عليه أن يفهم معاناة المهاجرين اليوم.

فالتاريخ يدور، لكنه لا يكرر نفسه بالطريقة ذاتها. وما بين “بورقعة” الأمس، وقوارب الموت اليوم، تقف الإنسانية أمام درس خالد: الكرامة الإنسانية لا تعرف جنسية، والهجرة ليست هوية شعب، وإنما هي نتيجة لظروف قابلة للتغيير. وعندما تتوفر الإرادة، والاستثمار في الإنسان، والعدالة، والتنمية، فإن الشعوب قادرة على أن تنتقل من ضفة الحاجة إلى ضفة الأمل، كما فعلت أمم كثيرة عبر التاريخ.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto