المغرب اليوم

رسالة مفتوحة إلى الشيخ علي القره داغي: هل أصبحت حدود الاستعمار الإسباني أَوْلَى بالنصرة من ثغور المسلمين؟

  • يوسف غريب //

أكادير اليوم –  ليس أشدّ إيلاماً في زمن التداعيات الجيوسياسية الكبرى من أن ترى قامة إسلامية مفترضة ترتدي جُبّة الفقه والعلم وهي تمارس الكسل الفكري وتستقيل من أمانة التحليل الرصين لتقذف بعقلها في سلة “المؤامرة” المريحة.

لقد وقفتُ بكثير من الذهول وأنا أتابع ما نشره الشيخ علي القره داغي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على صفحته الرسمية في “فيسبوك”مرفوقا ب ( بوستر دعائي) يتساءل فيه بأسى مفتعل: ماذا يحدث في سبتة؟ ومن يريد إسقاط بيدرو سانشيز؟..

وكأن الرجل الذي يفترض فيه تمثل فقه الواقع ووعي التاريخ لم يجد لتفكيك تعقيدات المنطقة من مدخل سوى التفتيش المبتذل عن الأصابع الصهيونية

إن المشكلة هنا ليست فقط في خفة التحليل بل في هذا “المسكوت عنه” الفاضح فالبوستر الذي تبناه الشيخ وعمّمه يتحدث بلسان الواثق عن مدريد وعن تل أبيب وعن الخطة الصهيونية لخنق سانشيز عقاباً له على موقفه من غزة..
ولكنه يمارس بدم بارد وعناية فائقة عملية محو جغرافي للمملكة المغربية..

تماماً كمن يكتب مجلداً عن معركة طاحنة فيصفُ الرايات والخيول وجنسيات القادة ثم ينسى بـ سخاء غريب أن يذكر اسم الأرض التي تدور عليها المعركة.

كيف يستقيم في عقلاء الفكر والسياسة أن يتصدى رجل يقرأ القرآن والفقه لتفكيك أزمة حدودية في سبتة ومليلية المحتلتين ثم تسقط من عينيه أمة كاملة ضاربة في عمق التاريخ منذ أكثر من اثني عشر قرناً؟

كيف تستوعب عيناه الخريطة الإسبانية والحدود الأوروبية وتتخطى بالكامل الجغرافية المغربية والسيادة الوطنية؟
إنها الحيلة القديمة-الجديدة للعقل العاجز:

حين نعجز عن فهم تعقيدات الميدان وتوازنات القوة بين ضفتي المتوسط نرفع شماعة “المؤامرة” ونستريح
لكن الأدهى والأمر هو أن نرى الشيخ يتداعى همّاً وغمّاً لحماية حدود دولة أوروبية ويتبنى بحماسٍ مظلومية الرواية الرسمية الإسبانية التي تصرخ ( أوروبا في خطر)..

بينما يمارس عمى ألوان كامل عن أراضٍ إسلامية وسيادية ما زالت تحت نير الاستعمار الإسباني منذ قرون.
يبدو أن الشيخ علي القره داغي وهو يكتب تدوينته أسقط من حسابه طبيعة الفاعل الذي يتعامل معه..

نحن نتحدث عن المملكة المغربية الدولة / الأمة التي لم تكن يوماً ولاية في أوراق الشرق بل بنيت كإمبراطورية شَيّدت الحضارة الأندلسية حقيقة لا أدعاءً وظلت عبر التاريخ عصية على استبداد الإمارات الشرقية وأطماع السلطنة العثمانية فلم تطأ أقدام العثمانيين أرضها واستعصت على إلحاقهم السياسي والروحي متمسكة بإمارة المؤمنين والنموذج الحضاري والفقهي المغربي المستقل.

لو كلّف الشيخ نفسه عناء العودة إلى متن الفقه المالكي المقاصدي من ابن رشد والشاطبي والقاضي عياض إلى علمائنا في سوس والعدوتين لوجد أن حماية الثغور وصيانة السيادة الوطنية والتصدّي للاستعمار مقدمة في جوهر الشرع على كل الحسابات السياسوية العابرة والتفسيرات الإيديولوجية الملتوية.

أين ذهب هذا الفقه؟
وأين اختفت مقاصد الشريعة في تدوينة الشيخ؟
ألم يقرأ قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)؟

أم أن الولاء في زماننا أضحت تمحه التغريدات وتمنح صكوكه اللعبة الإعلامية المفبركة.

أين أمانة الأخوة حين يُجرد المغرب من حقه التاريخي والسيادي ليتحول في نظر الشيخ إلى مجرد ديكور ثانوي في دراما “هوليودية” بطلها سانشيز وتل أبيب؟

إن الحقيقة الساطعة التي يهرب منها البعض اليوم ويحاول تزييفها هي أن ملف سبتة ومليلية قد فُتح دولياً ولن يُغلق .. مع سؤال أخلاقي وسياسي في الغرب والشرق معاً :
هل يختلف الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلية في الجوهر عن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية؟

أم أن الاستعمار يصبح مقبولاً ومدافعاً عن حدوده فقط لأنه يرتدي مسحة ديمقراطية أوروبية؟

يا شيخنا العزيز..
إن المغرب ملكاً وشعباً لم يكن يوماً ولن يكون منتظراً لفتواك ولا لصكوك غفرانك لاسترجاع أراضيه وثغوره تماماً
ففق باعزيزنا من وهم الأصابع الخفية فالمشكلة ليست في إسرائيل أو سانشيز بل في العقول التي ترفض أن ترى الحقائق الشاخصة وهي المغرب أمة تعمل بصمت الأقوياء وتبني مستقبلها بحكمة قيادتها ووعي شعبها.

أما دموع التضامن مع الحدود الأوروبية وأوهام التدوينات فلن تغير من جغرافية الحق شيئاً..

وهي أن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية وأن صديقك شانسيز في وضعية المحتل
نستعد لاسترجاعهما.. قريبا
والايام بيننا
وإلى عبور آخر ونهائي.
أقر لكم التحية والسلام

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto