
رسالة إلى حاكم سبتة المحتلة : حين تصبح الوقاحة بيانا رسميّاً
نص التصريح:
“( أريد أن أقول لكم بأننا تأكدنا من أن السلطات المغربية كانت قادرة على استخدام مواطنيها لزعزعة استقرار سبتة في ماي 2021 وقد تكرر اليوم في يوليوز 2026، وهو سلوك مدان باسم الحكومة المحلية والجمعية التشريعية بل نعتبره عملاً عدائياً ضد إسبانيا وأوروبا فهو تلاعب غير مقبول بالسكان لأغراض سياسية.
إن الوفاء للمؤسسات والتحلي بالمسؤولية وروح الدولة هي شروط غير قابلة للتفاوض).”
— (حاكم سبتة المحتلة، يوليوز 2026)
بهذه العبارات المليئة بالاستعلاء والمغالطة السياسية خرج علينا حاكم الثغر المحتل ليمارس هوايته القديمة في التباكي واستدعاء شماعة التهديد الخارجي متناسياً الحقيقة الجغرافية والتاريخية التي تفقأ عين كل ذي بصيرة.
تصريحٌ لا يمكن لوصفٍ أن يختزله سوى أنه قمة الوقاحة السياسية
تأملوا معي كيف يُقلب المحتل الحقائق ويجعل من نفسه ضحية.. يتحدث هذا المسؤول عن “الزعزعة” و”العدوان” وكأنه يترأس مدينة تقبع في عمق شبه الجزيرة الإيبيرية ناهياً وآمراً وموزعاً لدروس مجانية في روح الدولة والمسؤولية
لكن المضحك والمبكي في آن واحد والذي يكشف حجم التخبط والإنفصام السياسي أن هذا الهجوم الكاسح جاء مباشرة بعد مغادرة رئيس الحكومة الإسبانية “بيدرو سانشيز” للمدينة السليبة وهو الذي أشاد صباحاً ومن قلب سبتة نفسها بالدور الإيجابي والمسؤول للحكومة المغربية وشراكتها النموذجية
فأي مسرحية هزلية هذه؟ وأي تناقض صارخ بين مدريد وثغرها السليب؟
كيف يشيد رئيس الحكومة المركزية بالمغرب صباحاً ليخرج (حاكم المدينة) عصراً ببيان إدانة يتهم فيه المغرب بالعدوان والزعزعة؟
متى ستخرج إسبانيا من هذه اللعبة المكشوفة؟
وإلى متى ستبقي على مسرحية توزيع الأدوار حيث تنعم مدريد بثمار الشراكة الاستراتيجية مع الرباط بينما يُترك لرؤساء الحكام المحليين في الثغور المحتلة دور “رأس الحربة” لإطلاق التصريحات السامة وتصريف الأحقاد الاستعمارية؟
أمام هذا الانفصام السياسي الصارخ يُصبح التباكي الإسباني مجرد هروب إلى الأمام.. فعن أي عدواتتحدث يا هذا؟ وهل أصبح تحرك أبناء الوطن الواحد في أرضهم التاريخية وعلى حدود ثغورهم السليبة عملاً عدائياً ضد أوروبا؟
إن لجوء هذا الحاكم الفاشيستي إلى استعطاف الاتحاد الأوروبي وابتزازه بملف الهجرة والأمن هو محاولة مفضوحة للتغطية على شذوذ الوضع القائم.
إنه يعلم قبل غيره أن سبتة تقع خارج الفضاء الطبيعي لـ “شنغن”، وأن أوروبا ذاتها تتعامل مع هذه الثغور بوصفها إرثاً استعمارياً حرجاً ونشازاً لا يستقيم مع منطق القرن الحادي والعشرين.
أما حديثه عن الشروط (الغير قابلة للتفاوض) فهو محض سريالية سياسية إذ كيف يحدد المحتل للمغاربة ما هو قابل للتفاوض وما هو عكس ذلك في قضية تمس كرامتهم الوطنية وأرضهم التاريخية؟
إن التلاعب الحقيقي بالسكان والمتاجرة السياسية بآلامهم هو ما يمارسه الاحتلال يومياً بسياجه العازل وأسلاكه الشائكة التي تقطع شرايين الجغرافيا وتتنكر لحقائق التاريخ.
لن تُغير الخطابات الحماسية المليئة بالصلف من واقع الأمر شيئاً. فكفّوا عن البكاء على أعتاب بروكسيل واعلموا أن الوقاحة الرسمية لن تحول الباطل إلى حق ولن تجعل من سبتة يوماً غير ما هي عليه: قطعة مغربية أصيلة من جسد هذا الوطن ناطقة بهويته وتاريخه رغماً عن أنف التاريخ الاستعماري
وختاماً يا سيادة الحاكم…
أنا أفهم سر هذا السُّعار الذي ينتابك وأفهم أكثر لماذا تصرخ ملء شدقيك
فالخوف – كما تعلم – إنساني جداً وخاصة عندما يشعر المرء أن الكرسي الذي يجلس عليه مبنيٌّ على رمال متحركة.
إن المغرب قد فتح قوس سبتة ومليلية وحين يُفتح قوس التاريخ فإنه لا يُغلق إلا بكلمة النهاية:
الرحيل نحو مدريد
لقد انتهت لعبة الغموض الجيوسياسي الماكرو وصار العالم كله بل وحتى أوروبا التي تلوذ بعباءتها يعرف الحقيقة العارية:
إسبانيا تقف في القرن الحادي والعشرين بثوب دولة احتلال تحرس آخر مستعمراتها.. بل إن الغرب ذاته بدأ يفهم أن صداع الهجرة الأبدي لن يبرأ منه إلا حين تعود الأرقام والجغرافيا إلى نصابها الصحيح أي بخروجكم من الثغرين.
فصراخك ليس قوة بل هو العَويل النفسي لرجُل يرى قطار التاريخ يمر فوق وهمه ويعلم في سريرته أن منطق الأيام لا يرحم زيف الاحتلال…
وسوف ننتصر هنا أيضاً تماماً كما انتصرنا في جنوب مملكتنا..
إلى عبور آخر ونهائي
يوسف غريب كاتب صحفي..
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



