الرأيالمغرب اليوم

 لا حدود لإسبانيا في سبتة المغربية

من الصحراء إلى الثغور: سقوط “السيادة المستعارة” فوق سياج سبتة

لم تكن التدفقات البشرية نحو مدينة سبتة مجرد أزمة هجرة عابرة تقتحم الشاشات بل كانت صدمة جيوسياسية أعادت تصويب العدسة نحو السؤال الأكبر والأكثر إحراجاً للضمير الغربي تحول إلى سؤال استنكاري في أكثر من عاصمة حول العالم:

ماذا تفعل دولة أوروبية استعمارية في ماضيها وحاضرها على الساحل الشمالي للقارة الإفريقية؟
وفي خضم هذا المشهد الميداني المشحون خرج رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز من داخل سبتة هذا الصباح بتصريح أقل ما يُقال عنه إنه نموذج للفصام السياسي والأخلاقي.

تحدث سانشيز بلغة التهديد والوعيد رافعاً شعار ( العدوان على السيادة الوطنية لإسبانيا ومستنفراً كافة إمكانيات أجهزة الدولة لحماية أراضيها…)

ثم يتوقف في اللحظة ذاتها ليقدم الشكر الجزيل والامتنان الخالص للسلطات المغربية على حُسن تعاونها وتدخلها لإعادة المهاجرين وتنظيم الفوضى
أي ارتباك هذا؟ وأي مفارقة سريالية؟

كيف تستقيم في علم السياسة والعسكرية معادلة تعتبر أن ما حدث هجوم يستهدف سلامة أراضيك وفي الوقت نفسه تشكر الجار الذي تزعم أن خط التماس معه هو خط حدودك السيادية..?!!!

إن هذا الارتهان الضمني للأمن المغربي يكشف حقيقة ناصعة تحاول مدريد التغطية عليها بملابس السيادة المستعارة:
إسبانيا تدرك في عمق مكتب رئيس حكومتها أنها لا تملك أمن هاتين المدينتين إلا بقدر ما تسهم فيه الرباط
وحدودك الذاتية التي لا تستطيع حمايتها إلا بفضائل وشراكة جيرتك الإفريقية ليست سيادة مقدسة.. بل هي حالة أمر واقع وظيفي مرتهن بالجغرافيا والتاريخ.

لكن الأسطح الخشبية لهذا التصريح تتوارى خلفها ماهيةٌ أشد خطورة لا تكمن فقط في استعراض العضلات الأمني الموجه إلى الاستهلاك الداخلي الإسباني والابتزاز الأوروبي بل في التجرؤ الصريح على إعادة تكييف الوجود الاستعماري كـ( سيادة وطنية أبدية).

إن إطلاق إسبانيا على تدفق مغاربة يعبرون نحو ترابهم القاري وصفَ الهجوم على إسبانية سبتة هو التناقض الصارخ مع منطق التاريخ والمعطى القانوني الثابت.

فالمغرب سبق وأن حسم هذا اللبس رسمياً ومكتوباً في المراسلة الموجهة إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتاريخ 9 سبتمبر 2022 (رداً على استفسارات أحداث معبر مليلية في يونيو 2022) حيث صَدمت الرباط أدبيات هذا الوهم الاستعماري بموقف مدون يؤكد بوضوح لا لبس فيه أنه ليس للمملكة المغربية أي حدود برية مع إسبانيا وأن سبتة ومليلية ليستا سوى “ثغرين ومستعمرتين محتلتين.

إن الموقف المغربي الموثق في الأدبيات الأممية يضع النقاط على الحروف: ما تسميه إسبانيا حدوداً ليس سوى نقاط عبور أمر واقع وما تسميه سيادة هو مجرد وجود استعماري متقادم.

هذا المشهد اليوم هو الذي تحول إلى “ترند عالمي”:
كيف تصبح مدينة تقع عميقاً في الجسد الجغرافي للمغرب تابعة لإسبانيا؟

ماذا تفعل إسبانيا في إفريقيا؟

وهكذا سقطت السردية الغربية التقليدية التي حاولت لعقود اختزال الملف في سياج أمني لحماية قلعة أوروبا لينتقل الجدل من عيون الحراس ومراكز الاحتجاز إلى سؤال الشرعية وتصفية الاستعمار.

وهنا تحديداً تلتقي الحقيقة الجغرافية بوعي الذاكرة الوطنية فالطريق نحو استرجاع الثغور الشمالية يسلك نفس المنطق الذي تداعت به خطوط الوهم في الجنوب.

ألم تبتدئ معركة تحرير الصحراء المغربية يوم قرر آباؤنا الكرام كسر الحدود الوهمية بعزيمة المسيرة الخضراء؟
وإلا كيف يقبل العقل عبور 43 الف ذاك ااجاحز الوهمي في أقل من 24 ساعة حسب تصريحات اسبانية
إن الحاضر يرسم امتداداً لنفس المبدأ فالمغرب الذي يستعد للاحتفال بعيد الوحدة 31 يقف اليوم برزانته التاريخية وتراكمه الاستراتيجي على أعتاب مرحلة جديدة…
ملحمة هادئة وواثقة تواصل مسار استكمال الوحدات الترابية.. من الصحراء نحو الثغور.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto