
الهجرة… قدر المغرب أم نتيجة اختيارات تاريخية وسياسية؟
هل الهجرة قدر محتوم على المغرب، أم أنها نتاج مسار تاريخي طويل من السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟ يفرض هذا السؤال نفسه بإلحاح كلما استحضرنا تاريخ الهجرة المغربية منذ بدايات القرن العشرين، وكلما تابعنا اليوم مشاهد الشباب الذين يخاطرون بحياتهم لعبور البحر الأبيض المتوسط أو الحدود البرية بحثاً عن مستقبل أفضل.
لم تكن الهجرة المغربية إلى فرنسا خلال فترة الحماية مجرد حركة طبيعية للسكان، بل كانت، في جانب كبير منها، هجرة موجهة تخدم المصالح الاستعمارية. فقد سعت الإدارة الفرنسية إلى استقطاب شباب المناطق المقاومة، وخاصة سوس، للعمل في المناجم والمصانع والضيعات الفرنسية. وقد ارتبط هذا التوجه، وفق عدد من الدراسات التاريخية، باستراتيجية استعمارية هدفت إلى إضعاف البنيات الاجتماعية والاقتصادية للمناطق التي عرفت مقاومة قوية، وربطها تدريجياً بالاقتصاد الفرنسي من خلال تحويلات المهاجرين، بدل الاعتماد على اقتصاد محلي قائم على الاكتفاء الذاتي.
وتشير الأدبيات التاريخية، ومنها أعمال الباحثين الذين تناولوا سياسات الحماية الفرنسية، إلى أن المقيم العام ليوطي شجع على تنظيم هجرة اليد العاملة المغربية نحو فرنسا. كما وثق باحثون، من بينهم جون راي، مراحل هذا التوجه، في حين وصف جوستنار، في كتاباته عن السوسيين بضواحي باريس، ظروف استقرارهم وعلاقتهم بمجتمع الاستقبال.
وخلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تجسد هذا النموذج في شخصية “موغا“، الوسيط الذي كان يجوب أسواق الجنوب المغربي لاختيار الشباب الأقوياء للعمل في مناجم الفحم الفرنسية. كان حلم فرنسا بالنسبة إلى كثيرين بمثابة “إلدورادو” يعد بالخلاص من الفقر، غير أن الواقع كشف عن ظروف عمل قاسية وتجارب إنسانية مؤلمة، وهو ما وثقته شهادات عمال المناجم وأعمال سوسيولوجية عديدة، من بينها الدراسات المنجزة حول ذاكرة المنجميين المغاربة في شمال فرنسا.
غير أن الزمن تغير، فقد أغلقت أوروبا أبوابها تدريجياً، خاصة بعد اتفاقية شنغن، وأصبحت الهجرة أكثر انتقائية، تعتمد على الكفاءات والمؤهلات العلمية والمهنية. وإذا كان “موغا” يختار الأجساد القوية للعمل في المناجم، فإن سياسات الهجرة الحالية تختار العقول والمهارات القادرة على الاندماج والمساهمة في اقتصاد المعرفة.
في المقابل، عرف المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي موجات متزايدة من الهجرة غير النظامية، حيث ابتلع البحر الأبيض المتوسط آلاف الأرواح. وقد عبرت الكاتبة عائشة بلعربي عن هذه المأساة في عنوان كتابها Mer ou marâtre، حيث تحول البحر من فضاء للأمل إلى رمز للفقدان والموت.
واليوم تتخذ المفارقة شكلاً أكثر تعقيداً؛ ففي الوقت الذي تستقطب فيه الضيعات الفلاحية المغربية عمالاً من إفريقيا جنوب الصحراء ومن بنغلادش لتعويض الخصاص في اليد العاملة، يواصل آلاف الشباب المغاربة الهجرة نحو أوروبا، وخاصة للعمل في الحقول الإسبانية، رغم ما يواجهونه من صعوبات ومخاطر وانتهاكات تمس الكرامة الإنسانية.
إن استمرار هذا النزيف البشري يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لم تعد المدرسة، والسياسات العمومية، والأحزاب، والمؤسسات الاقتصادية، قادرة على إقناع الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يبنى داخل وطنهم؟ ولماذا أصبح حلم الرحيل أقوى من حلم البقاء؟
إن معالجة الهجرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تقتضي بناء مشروع وطني يعيد الثقة إلى الشباب، ويوفر لهم فرص الشغل، ويعزز جودة التعليم، ويرسخ العدالة المجالية والحكامة الجيدة. فالوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالإنصات إلى تطلعات المواطنين، وبإشراكهم في صناعة المستقبل.
إن المغرب يمتلك من الطاقات البشرية والكفاءات ما يؤهله لبناء نموذج تنموي أكثر عدلاً وإنصافاً، غير أن تحقيق ذلك يظل رهيناً بإصلاحات عميقة تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، وتجعل الهجرة خياراً حراً، لا ملاذاً اضطرارياً من الفقر أو اليأس.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


