
الهروب العابر للحدود: حين تتحول الهجرة من أزمة اقتصادية إلى نزيف اجتماعي ونفسي
- حسن كرياط //
تضعنا مشاهد التدفقات الجماعية والمحاولات المتكررة لاختراق الأسيجة الشائكة المحيطة بمدينة سبتة المحتلة—سواء تسلقاً للأسوار أو سباحة حول المصدات المائية—أمام واقع اجتماعي حرج لا يحتمل القراءات السطحية؛ إذ لم نعد أمام النمط التقليدي لـ “الحرقة” الفردية بحثاً عن فرصة عمل، بل صرنا نشاهد ظاهرة عابرة للفئات والأعمار، تتدافع فيها أسرٌ بأكملها، وفتيات، وأطفال قاصرون في موجات اندفاع جماعي غير مسبوقة. هذا التحول التكتيكي والنفسي ينقل الظاهرة من مجرد هجرة سرية فردية إلى شكل من أشكال الاحتجاج الجماعي المباشر، مما يفرض علينا التساؤل بجرأة عما إذا كنا نعيش عارضاً مؤقتاً أملته ظرفية طارئة، أم أننا أمام ظاهرة مزمنة تتجذر في العمق المجتمعي.
ولا يمكن فصل هذه التدفقات عن سياقها السياسي المركب الذي يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي؛ إذ يُقرأ هذا السلوك في أدبيات التحليل السياسي بوصفه رسالة احتجاج صامتة وبليغة تشير إلى تراكم الشعور بالتهميش وغياب الأفق، حيث يتحول فعل العبور إلى أداة للبحث عن الكرامة والعدالة الاجتماعية خارج الحدود. وفي الوقت الذي تُشكل فيه هذه الأزمات مادة دسمة للمعارضة السياسية مع اقتراب المحطات الانتخابية لضغط على الحكومة وتثبيت مسؤوليتها عن تعثر استيعاب الشباب، تسارع أطراف خارجية أيضاً إلى توظيف الملف وفق أجندات خاصة، بين إعلام إقليمي يتلقف الأحداث لتسجيل نقاط سياسية، وإعلام أوروبي يتابع بوجل كلفة الملف وتداعياته على أمن القارة العجوز.
غير أن اختزال هذه الظاهرة في أبعادها السياسية أو التوقف عند حدود التفسير الاقتصادي التقليدي يظل قاصراً عن إدراك حقيقتها؛ فمع أن إرجاع الهجرة إلى البطالة وتدني القدرة الشرائية والتضخم يوفر تحليلاً مريحاً لنقد السياسات العمومية، إلا أن الوقائع الميدانية تُفند أحادية هذا الطرح. إن انخراط عائلات بأكملها، وأمهات مصحوبات بأطفالهن، وأفراد يتمتعون بقدر مقبول من الاستقرار المادي، يؤكد أن العامل الاقتصادي ليس سوى الشجرة التي تخفي غابة التحولات المعقدة، إذ لو كان الفقر وحده هو المحرك، لشهدت المراحل التاريخية الأكثر قسوة اقتصادياً انضباطاً مجتمعياً أعلى، بدلاً من هذا الاندفاع الجماعي نحو المخاطرة.
وهنا يبرز العمق النفسي والاجتماعي للظاهرة كحلقة وصل أساسية لفك رموزها؛ حيث أدى الانفتاح الرقمي وسيادة شبكات التواصل الاجتماعي إلى تشكيل تمثلات ذهنية جديدة تُهون مخاطر العبور، وتصنع مقارنات حادة بين واقع مرير وعالم افتراضي وردي. ويقترن هذا التحول التكنولوجي بتراجع تدريجي لسلطة مؤسسات التنشئة التقليدية كالأسرة والمدرسة لصالح نزعة فردانية متصاعدة تتطلع للفكاك السريع، مما جعل فعل الهروب يتجاوز منطق الحاجة المادية المباشرة، ليتحول إلى حالة تمرد نفسي ورغبة جامحة في إعادة تعريف الذات بعيداً عن الجغرافيا الأم.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



