
بوصلة “المغرب الصاعد”: قراءة سيمائية واستشرافية في الخطاب الملكي لعيد العرش الـ27..
- بقلم: حسن كرياط //
يمثل الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أجداده الميامين، وثيقة استراتيجية مرجعية ترسم ملامح مرحلة فاصلة في تاريخ المغرب الحديث. إنه ليس مجرد كشف حساب سنوي، بل هو “بيان الثقة والطمأنينة” وخارطة طريق تمتد أبعادها لتشكل مذهبًا متكاملاً في الحكم والتنمية.
1. فلسفة الحكم: النقد الذاتي والسيادة الوطنية
تتجلى الفلسفة العميقة للخطاب منذ بدايته في تأكيد جلالته على مذهب قيادي فريد يقوم على المتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء، وتجاوز البحث عن المجد الشخصي نحو خدمة المواطن أولاً.
الاستقرار كرأسمال استراتيجي: اعتبر الخطاب أن الأمن والاستقرار السياسي في محيط إقليمي ودولي مضطرب يمثل “عملة نادرة” وقاعدة أساسية لا غنى عنها لبناء الاقتصاد.
السيادة الوطنية والاكتفاء الذاتي: تحول الاستقرار إلى رافعة حقيقية لتقوية السيادة، حيث أظهر المغرب قدرة استباقية عالية في إدارة الأزمات والتعامل مع التحولات التكنولوجية والجيوسياسية العالمية.
2. الإنجاز الاقتصادي: من الاستهلاك إلى التصنيع الثقيل
كسر الخطاب الأرقام والترددات التقليدية ليعلن عن دخول المملكة نادي القوى الاقتصادية الصاعدة:
مؤشرات النمو: تحقيق نسبة نمو بلغت حوالي 4.9% سنة 2025 مع توقع استمرارها بنفس الزخم في 2026.
الثورة الصناعية: تحول المغرب إلى الأول إفريقياً في صناعة السيارات (بقدرة تقارب مليون سيارة سنوياً)، حيث تجاوزت صادرات السيارات والطيران حاجز 40% من إجمالي الصادرات الوطنية، متقدمة بذلك على قطاع الفوسفاط التاريخي.
القطاعات الواعدة: الانخراط الفعلي في مجالات البطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، ودخول “النادي المصغر” لصناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات.
صناعات الدفاع والسيادة الدوائية: الوصول إلى 80% من الاكتفاء الذاتي في الصناعات الغذائية والدوائية، والشروع في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية وأمن سيبراني لترسيخ مكانة بلادنا كقوة إقليمية.
3. التحول المالي والدعم المجتمعي
أكد جلالة الملك أن هذا التحول المالي والاقتصادي غير المسبوق يعتمد بالأساس على تعبئة الادخار والتمويل الداخلي:
دعوة القطاع المالي: توجيه الائتمان والمؤسسات البنكية لتسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة للتمويل، ودعم الابتكار والتصدير.
البعد الاجتماعي: التأكيد على أن التنمية ليست أرقاماً صماء، بل تعكف على تحسين ظروف عيش المواطن من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، العدالة المجالية، وتنمية المناطق الترابية بدون استثناء.
4. ما بعد الزمن الحكومي: النظرة الاستشرافية
أرسخ الخطاب الملكي رسالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية: إن المكتسبات التي تحققت هي ملك للوطن وتتجاوز الزمن البرلماني والحكومي الضيق.
الخطاب يمهد لمرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لإطلاق دورة تنموية جديدة تقوم على “تحصين المكاسب” ومواصلة الإصلاحات الكبرى بنظر مستقبلي ثاقب.
خلاصة القول
يمثل الخطاب الملكي لذكرى عيد العرش الـ27 انتقالاً كفائياً من مرحلة “إدارة الأزمات والتأسيس” إلى مرحلة “المغرب الصاعد وقوة الشراكات المتوازنة”. إنه خطاب يبعث الأمل، يُلزم المؤسسات، ويضع المملكة المغربية بثبات في مصاف الدول المؤثرة والفاعلة في رسم معالم المستقبل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



