
حين تتحول خطابات اليأس إلى وقود للهجرة
- مرشد الدراجي //
لم تكن مشاهد توافد مئات الشباب نحو مدن الشمال في محاولة للوصول إلى سبتة المحتلة مجرد أزمة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، بل كشفت عن أزمة أخطر تتعلق بالخطاب الذي يتلقاه جزء من الشباب يوميا، والذي يغذي الشعور بالإحباط ويزرع في النفوس فقدان الثقة في المستقبل.
فلا أحد ينكر وجود تحديات اقتصادية واجتماعية تستوجب النقاش والمعالجة، غير أن الفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يقدم الحلول ويعزز الثقة، وبين الخطاب الذي لا يرى سوى السواد، ويصور المغرب وكأنه بلد بلا أفق، فيتحول من معارضة سياسية إلى ثقافة تيئيس تدفع بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن الخلاص لا يوجد إلا خارج الوطن.
ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن يخصص صاحب الجلالة الملك محمد السادس حيزا مهما من خطاب العرش لهذه القضية، عندما قال: “إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.”
إن هذه الرسالة الملكية جاءت لتؤكد أن الرهان اليوم ليس فقط على إنجاز المشاريع أو تحقيق المؤشرات الاقتصادية، بل أيضا على حماية الثقة الجماعية للمغاربة، وخاصة الشباب، من كل خطاب يحاول إقناعهم بأن وطنهم فقد الأمل في المستقبل.
ومن المؤسف أن جزءا من الخطاب السياسي خلال الفترات الانتخابية ينزلق أحيانا نحو المبالغة في رسم صورة قاتمة عن الأوضاع، في إطار التنافس على الأصوات أو السعي إلى كسب مواقع انتخابية.
ومن حق كل حزب أن ينتقد أداء الحكومة أو يعارض سياساتها، لكن من غير المفيد أن يتحول التنافس السياسي إلى خطاب يزرع اليأس ويغذي فقدان الثقة في مؤسسات الدولة وفي مستقبل البلاد، لأن المتضرر الأول من ذلك هو الشباب.
لقد كان حجم الإصلاحات والأوراش والمنجزات التي استعرضها جلالة الملك في خطاب العرش كفيلا بأن يعزز روح الأمل والتفاؤل لدى المغاربة. فالمغرب اليوم أصبح قبلة للاستثمارات الدولية، ووجهة لشركات عالمية، ومحط اهتمام متزايد من مختلف جنسيات العالم التي ترى فيه فضاء للاستقرار والفرص والنمو.
وإذا كان هذا هو الانطباع الذي يحمله العالم عن المغرب، فمن غير المنطقي أن تستمر بعض الخطابات الداخلية في رسم صورة قاتمة عن الوطن، وكأن شيئا لم يتغير. فالمشكل ليس في واقع المغرب الذي يشهد تحولات متسارعة، وإنما في عقلية بعض أبناء هذا الوطن الذين ما زالوا يروجون لخطابات اليأس بعقلية تعود إلى سنوات خلت، وينظرون إلى حاضر المغرب ومستقبله بنظارات الأمس، متجاهلين ما تحقق من إصلاحات وإنجازات وما يتيحه المستقبل من فرص.
لقد أظهرت أحداث الشاعات الأخيرة أن معركة المغرب ليست فقط في التصدي لشبكات الهجرة غير النظامية أو تأمين الحدود، بل أيضا في مواجهة ثقافة اليأس التي تجد أحيانا من يغذيها، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال خطابات سياسية لا توازن بين النقد المشروع والمحافظة على الثقة في الوطن.
ولعل الرسالة الأبلغ التي حملها خطاب العرش هي أن بناء المستقبل لا يكون بخطابات الإحباط، وإنما بترسيخ روح الثقة والتفاؤل، لأن الأمم التي تفقد ثقتها بنفسها تفتح الباب أمام اليأس، بينما الأمم التي تؤمن بقدرتها على الإصلاح تجعل من التحديات منطلقا للتقدم لا سببا للهروب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



