الرأيالمغرب اليوم

رسائل دبلوماسية عائمة على شواطئ سبتة المحتلة”..

  • بقلم يوسف غريب //

أكادير اليوم – أن تقف عند شواطئ سبتة وتنظر إلى تلك الأجساد الفتية وهي تتلاطم مع أمواج البحر ثم تقتنع بأن الأمر مجرد رحلة هروب جماعي نحو واقع اجتماعي أفضل ففيه تسرع كبير وجهل لهذا القاموس الجيو-ستراتيجي الذي يُكتب بدقة بين الرباط ومدريد والذي لا مكان للصدفة بمافيه البحرتلك الشاشة المفتوحة التي تُعرض عليها أشد الرسالة بلاغة وحزماً وصرامة خصوصاً عندما يصاب صانع القرار الدبلوماسي في مدريد بـ الصمم الإرادي .
لقد دأب العقل الإسباني على ممارسة هوايته الأثيرة:
اللعب المزدوج على أوتار الشراكة… ويتغنى بالتحالف الاستراتيجي في العلن بينما يمارس التسويف وسياسة ربح الوقت في الملفات السيادية الثقيلة في الكواليس
من التلكؤ في تسليم إدارة المجال الجوي للصحراء المغربية إلى المماطلة في حسم ترسيم الحدود البحرية الأطلسية الغنية بالثروات.
لكن المناورة الأشد خطورة هذه المرة لم تأتِ من عرض البحر بل حُكت تفاصيلها بعناية داخل أروقة البرلمان الإسباني ففي 23 يوليوز 2026، وبعد ثلاثة أيام فقط من زيارة خاطفة قام بها “بيذرو سانشيز” إلى الجزائر صادقت لجنة العدل بأغلبية ساحقة على مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين إبان العهد الاستعماري ولأبنائهم وأحفادهم، بناءً على إحصاء عام 1974.
ظاهرياً يُغلَّف القرار بمسوح جبر الضرر التاريخي والدفاع عن حقوق الإنسان لكن في العمق نحن أمام هندسة سياسية خبيثة صُممت ببرودة أعصاب استعمارية لتفخيخ المستقبل.
لا تمنح مدريد صكوك جنسيتها حباً في أبناء الصحراء بل تبحث عن كتلة ناخبة عابرة للحدود وعن اختراق ديموغرافي هجين والهدف واضح:
زرع (فيتو إسباني) ناعم داخل مؤسسات الحكم الذاتي المستقبلية تحت السيادة المغربية وتشكيل قوة ضغط داخل المجلس التشريعي والحكومة المحلية لضمان يدٍ إسبانية خفية تملك دائماً قدرة التأثير في طبخة القرار المحلي كلما اتجهت المنطقة نحو اندماج كامل مع عمقها المغربي والأفريقي.
بل إن هذه الخطوة تسعى إلى تحويل أي نزاع إداري أو قضائي في الأقاليم الجنوبية من شأن داخلي سيادي إلى ملف يتعلق بـ رعايا إسبان لتفتح الباب أمام الحماية القنصلية والتدخل السافر في قرارات الإدارة المغربية.
إن محاولة مدريد بعث الإحصاء الاستعماري لعام 1974 والرهان عبر هذه “الأسبنة” الديموغرافية على خلق ورقة ابتزاز جديدة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لنقل الملف من بيئته الأممية إلى صحن محكمة العدل الأوروبية بذرائع حماية مواطنين يحملون جنسية دولة عضو وبالتالي التلاعب بالاتفاقيات الاقتصادية والبحرية بين الرباط وبروكسيل.
وحين وصلت الرسالة إلى مدريد بغير قليل من الفصاحة البحرية سارع وزير الداخلية الإسباني في مشهد يتكرر كلما تحركت مياه البحر الخروج ببيان متلفز يُغدق الثناء على التعاون المغربي ويشيد بسرعة إعادة من عبروا سبتة سباحة
إنها الحقيقة الكبرى التي تتجاهلها مدريد مراراً:
المغرب ليس حارساً مجانياً لتركة الاستعمار بل شريك يتحدث بلغة المصالح والتكافؤ.
إن المراهنة على ورقة التجنيس لرهن مستقبل الحكم الذاتي ولعب دور الأب الروحي والشيطان الخفي في الصحراء المغربية هي مراهنة صريحة على حصان خاسر فالشراكة مع المغرب إما أن تكون شجاعة واضحة وشاملة لجميع الملفات السيادية دون خطوط خلفية أو مناورات قانونية.
لقد آن الأوان لمدريد أن تدرك أن زمن قواعد اللعبة القديمة قد انتهى إلى غير رجعة فخرائط المنطقة أُعيد رسمها والعبور نحو الحسم النهائي في ملف الصحراء لم يعد يمر عبر المناورات المترددة للعواصم الأوروبية أو أروقة البيروقراطية القديمة بل بات يمر صراحة وبلا مواربة عبر “طريق ترامب” والواقعية السياسية الناجعة التي فرضها الاعتراف الأمريكي بمرجعية السيادة المغربية.
إن بلدنا إذ تطرح اليوم مبادرة الحكم الذاتي وتتعاطى معها بمرونة واقتدار وكأنها ستُطَبَّق غداً لإغلاق هذا الملف الإقليمي واستكمال بناء الشراكة الاستراتيجية فهي في الوقت ذاته تبني واقعاً استثمارياً وتنموياً صلباً على الأرض وكأن هذا العرض التفاوضي لن يكون أبداً
وبأن سيادتها على أراضيها محسومة ومطلقة ولا تنتظر صك غفرانٍ من مدريد ولا إذن تعميدٍ من البرلمان الإسباني

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto