الجهة اليوم

تدارت: سوسيولوجيا التحول من القرية التقليدية إلى مجال للهجرة والعيش المشترك

  • د.خالد ألعيوض  //

يقترح هذا المقال قراءة سوسيولوجية للتحولات التي عرفتها قرية تدارت بإقليم اشتوكة آيت باها، من خلال تتبع مسارها التاريخي منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم. فالقرية لم تتحول دفعة واحدة إلى مجال لاستقبال المهاجرين، وإنما مرت بمراحل متعاقبة، ارتبطت أولًا بالهجرة الداخلية المرتبطة بالتحولات الفلاحية، ثم باستقرار المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، وأخيرًا بظهور موجات جديدة من اليد العاملة الأجنبية البنغالية (بنغلاديش)، وهو ما جعلها واحدة من أكثر القرى دينامية من حيث التغيرات الديموغرافية والاجتماعية والثقافية.
تحمل كلمة “تدارت” في اللغة الأمازيغية معنى “البيت”، كما تطلق أيضًا على المكان الذي توضع فيه خلايا النحل، وهي دلالة تعكس قيم الاستقرار والإنتاج والعمل الجماعي. وتتميز القرية بوجود ضريح سيدي وكاك بن زلو اللمطي، الذي يشكل موضوعًا للذاكرة المحلية، إذ يرى سكان تدارت أن ضريحهم هو الضريح الأصلي للولي، في حين تنسبه روايات أخرى إلى زاوية أكلو. وبغض النظر عن الحسم في هذا الجدل، فإن الضريح يمثل أحد أهم العناصر المؤسسة للهوية الرمزية للقرية.
ويزيد عدد سكان تدارت على عشرة آلاف نسمة، وتضم خمسة مساجد، غير أن صلاة الجمعة تقام في مسجد واحد فقط، في تقليد يعكس استمرار منطق وحدة القبيلة وتماسكها الاجتماعي. وحتى حدود سنة 2018 ظلت القرية شبه منغلقة على نفسها، ولم تكن تستقبل الغرباء إلا خلال الموسم السنوي للولي سيدي وكاك، قبل أن يؤدي فتح الطرق وفك العزلة إلى دمجها في المجال الحضري الممتد بين القليعة وآيت عميرة وسيدي بيبي.
غير أن تاريخ الهجرة بتدارت يعود إلى ما قبل ذلك بكثير. فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، ومع توسع الزراعات التصديرية بشتوكة، بدأت القرية تستقبل موجات من العمال الوافدين، خاصة من منطقة إحاحان. وقد لعب أحد الوسطاء المحليين دورًا محوريًا في هذه العملية، حتى أطلق عليه السكان لقب “موغا إحاحان”، في استعارة لذاكرة “موغا” الذي ارتبط بتنظيم هجرة أبناء الجنوب نحو فرنسا. لكن هذا الوسيط كان ينظم هجرة داخلية، حيث استقدم النساء والشباب ثم الأسر للعمل والاستقرار بتدارت، مساهمًا في إعادة تشكيل بنيتها السكانية.
وقد انعكست هذه الدينامية مباشرة على المجال العقاري، فارتفعت أسعار الأراضي من نحو 50 درهمًا للمتر المربع إلى أكثر من 700 درهم، قبل أن تعرف السوق نوعًا من التوقف خلال السنوات الأخيرة بسبب تعقيدات الوضعية العقارية للأراضي التي يعتبرها السكان ملكا خاصا في حين صدرت مذكرة من وزارة الداخلية باعتبارها أراضي الجموع، وهذا ما يجعل الوضعية العقارية تثير توثرات وتنعكس على التنمية بالمنطقة خصوصا في جماعتي سيدي بيبي وآيت عميرة.
ومع سنة 2018 دخلت تدارت مرحلة جديدة مع استقرار المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وسرعان ما ارتفع عددهم ليقارب ألفي مهاجر ينتمون إلى جنسيات متعددة، لتصبح القرية، إلى جانب القليعة وأكرام، من أهم مجالات استقرار المهاجرين بالإقليم والجهة.
ولم يقتصر أثر هذه الهجرة على الجانب الديموغرافي، بل امتد إلى الاقتصاد المحلي. فقد ارتفعت أسعار الكراء إلى مستويات تضاهي في بعض الحالات مدينة أكادير، رغم الفارق الكبير في جودة السكن. كما انتشرت ظاهرة كراء الغرف، إذ بلغ ثمن الغرفة الواحدة حوالي ألف درهم شهريًا، بينما يتقاسمها في كثير من الأحيان أكثر من عشرة أشخاص لتخفيف تكاليف السكن. وفي المقابل، وجدت العديد من الأسر المحلية في هذه الدينامية مصدرًا جديدًا للدخل، فعمدت إلى ترميم منازلها القديمة أو بناء مساكن جديدة موجهة للإيجار بل إيجار منازلها التي تسكنها والانتقال إلى المدن المجاورة لكراء منازل الاستقرار وترك فضاء القرية الذي فقد هويته المحلية التي كانوا يرتاحون داخلها.
كما أدى حضور المهاجرين إلى بروز اقتصاد محلي جديد، تمثل في فتح متاجر للمواد الغذائية الإفريقية، ومحلات للحلاقة، وبيع الخضر والفواكه، إضافة إلى سوق مسائية يغلب عليها حضور المهاجرين. بل إن أنماط الاستهلاك نفسها تغيرت، إذ أصبحت منتجات لم تكن تلقى اهتمامًا في السابق، مثل أرجل الدجاج، تباع بشكل عادي نتيجة الطلب المتزايد عليها من طرف الأفارقة جنوب الصحراء.
وامتدت التحولات إلى المجال الديني، حيث أدى حضور النساء المهاجرات لصلاة الجمعة إلى تخصيص فضاء للصلاة خاص بالنساء، وهو ما شجع نساء القرية على المشاركة بدورهن في هذه الشعيرة، في تحول يعكس تأثير الهجرة في إعادة تشكيل بعض الممارسات الاجتماعية والدينية.
كما شهد قطاع النقل تطورًا ملحوظًا، إذ انتقل من الاعتماد على وسائل النقل غير المهيكلة إلى إحداث خط منتظم لسيارات الأجرة يربط آيت عميرة بالقليعة مرورًا بتدارت، وهو ما ساهم في تسهيل تنقل العمال والمهاجرين وربط مختلف فضاءات الاستقرار ببعضها.
ورغم هذه الدينامية، لم تخل التجربة من توترات. فقد عرف الملعب الوحيد بالقرية في البداية احتكاكات بين الشباب المغاربة والمهاجرين، قبل أن تنجح الوساطة الاجتماعية في تنظيم أوقات الاستغلال وتحويله إلى فضاء للتواصل. كما أن قرب تدارت من القليعة وأكرام يجعلها تتأثر سريعًا بما يقع فيهما من أحداث، الأمر الذي يفرض اعتماد مقاربة استباقية للحفاظ على الاستقرار والسلم الاجتماعي.
وتشير الملاحظات الميدانية إلى أن غالبية المهاجرين المقيمين بتدارت يميلون إلى احترام القانون والاستقرار، بحكم ارتباطهم بفرص الشغل داخل الضيعات ومحطات التلفيف. وفي المقابل، بدأت القرية تعرف وصول عمال من بنغلاديش، وهو معطى جديد يفتح أسئلة حول إدارة التنوع الثقافي في المستقبل.
وتظل أمام تدارت رهانات متعددة، أبرزها تدبير الفضاءات العمومية، وتأهيل الملاعب والمرافق الشبابية، وتوسيع خدمات النقل، وإحداث حضانات ومراكز للتنشئة الاجتماعية تستجيب للتحولات الديموغرافية، خصوصًا مع ارتفاع عدد النساء العاملات والأسر المهاجرة. كما يفرض هذا الواقع التفكير في سياسات محلية تجعل من التنوع الثقافي رافعة للتنمية بدل أن يتحول إلى مصدر للتوتر.
إن تجربة تدارت تكشف أن الهجرة ليست حدثًا عابرًا، بل مسارًا تاريخيًا متواصلًا أعاد تشكيل المجال والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. وهي بذلك تقدم نموذجًا مغربيًا غنيًا لفهم كيفية تحول قرية أمازيغية تقليدية إلى فضاء متعدد الثقافات، تتقاطع فيه رهانات الاندماج والتنمية والعيش المشترك، بما يجعلها حالة ميدانية تستحق الدراسة والتوثيق ضمن سوسيولوجيا الهجرة والتحولات القروية بالمغرب.
إن تدارت وأكرام والقليعة هي مختبرات حقيقية للهجرة تذكرنا بما عاشته مدينة شيكاكو في الثلاثينات من القرن الماضي مع العمال البولونيين، وهو ما جعل الدراسات المرتبطة بها تنتج لنا مدرسة رائدة في مجال الهجرة هي مدرسة شيكاكو.
ألا يمكن القول أننا أمام مدرسة جديدة، سيكون لها وقعها على الدراسات الأكاديمية المغربية بل والعالمية هي مدرسة أيت اعميرة للهجرة، لأن خصوصياتها محلية ومتفردة، وللحديث بقية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto