
خطاب الشكر لله… والملك المناضل في محراب الأمانة
- بقلم يوسف غريب //
جلستُ هذا المساء أتابع الخطاب الملكي فلم تستوقفني فيه هيبةُ السلطة بقدر ما شدّني تواضعُ ملكٍ يدرك ثقل الأمانة.
لم يكن صوتًا يخاطب شعبه من علٍ بل صوت قائدٍ يبدأ من حيث ينبغي أن يبدأ كل صاحب رسالة :
بحمد الله على التوفيق وشكره على السداد.
غفي زمنٍ اعتاد فيه كثير من الزعماء أن يشيّدوا أمجادهم فوق منصات الخطابة بدا عاهل البلاد مختلفًا لم يقدّم نفسه صانعًا للتاريخ ولم يسعَ إلى صناعة هالةٍ شخصية بل تحدث بطمأنينة الواثق بأن خدمة الوطن ليست مناسبةً للاحتفاء بالذات وإنما عهدٌ يتجدد كل يوم.
وأنا أستمع إليه خطر ببالي وصفٌ واحد:
الملك المناضل في محراب الأمانة
غير أن نضاله ليس من ذلك النوع الذي يصنع الضجيج بل هو نضال الحكيم الذي يؤمن بأن التحولات الكبرى لا تحتاج إلى صراخ وإنما إلى صبرٍ طويل ورؤيةٍ بعيدة وعملٍ دؤوب لا يلتفت كثيرًا إلى التصفيق.
إنه نضال الاستراتيجي الذي ينسج المستقبل بخيوطٍ دقيقة كما يفعل الجرّاح وهو يرمم الحياة.
لم يقل لنا:
أنا صنعت لكم… بل رفع الشكر إلى الله وكأنما أراد أن يذكّر الجميع بأن القيادة الحقيقية ليست امتلاك السلطة وإنما حمل الأمانة وأن العرش ليس منصةً للمباهاة بل محراباً للعمل الذي لا يعرف نهاية.
ومن هذه اللحظة تحديدا من هذا التواضع الذي يزداد رفعةً كلما ابتعد عن المظاهر تبدأ حكاية سبعٍ وعشرين سنة من قيادة وطنٍ يشبه كتابًا فلسفيًا مفتوحًا كلما أغلقت صفحةً فيه وجدت نفسك متشوقًا لما بعدها، متسائلًا:
متسائلا كيف استطاع المغرب أن يجمع بين هدوء التاريخ وصخب المستقبل؟
في مدنه العتيقة يهمس الماضي بأمجاده بينما تدوي في طنجة والدار البيضاء أصوات المصانع التي تصنع سيارات الغد ومكونات الطائرات في مشهدٍ يبدو وكأنه مصالحة نادرة بين أصالةٍ تحفظ الذاكرة وحداثةٍ تصنع المستقبل.
لقد كان المغرب طويلًا ينظر إلى السماء مترقبًا الغيث لأن حياة الفلاح كانت معلقةً بكرم السحاب… غير أن الملك محمد السادس أدرك برؤيةٍ استراتيجية استشرفت تحولات العالم أن الأمم التي تنتظر المطر وحده قد تعجز عن مواجهة جفاف الاقتصاد وتقلبات الزمن لذلك مضى بهدوء نحو بناء اقتصادٍ أكثر تنوعًا فانتقل المغرب تدريجيًا من الاعتماد على الفلاحة وحدها إلى ترسيخ قاعدةٍ صناعية جعلته شريكًا مهمًا في سلاسل الإنتاج العالمية حتى صار يحمل توقيعه الصناعي: «صنع في المغرب» إلى أسواقٍ كانت تبدو بعيدة المنال.
ثم تأتي الصحراء…
وللصحراء في الوجدان المغربي معنى يتجاوز الجغرافيا فهي ليست مساحةً من الرمال، بل عنوانُ انتماء وسؤالُ سيادة وقضيةُ وجود، قبل أن تكون حدودًا وامتدادُ ذاكرةٍ وطنية.
وخلال هذه السنوات لم يختر المغرب لغة الانفعال بل فضّل منطق المبادرة والعمل فطرح مشروع الحكم الذاتي وعمل بصبرٍ على توسيع دائرة التأييد الدولي له حتى أصبحت مدن الجنوب اليوم فضاءاتٍ للتنمية والاستثمار والانفتاح على العمق الإفريقي بعد أن كانت تُختزل في خطاب النزاع.
ولم تكن الطريق سهلة خلال هذه المدة
فحين اجتاحت جائحة كورونا العالم واجه المغرب تحدياتها بإجراءاتٍ صحية وصناعية وتنظيمية هدفت إلى الحد من آثار الأزمة. وحين ضرب زلزال الحوز القلوب قبل الجبالزظهرت أجمل صور التضامن المغربي شعبٌ يتقاسم الخبز والمأوى ودولةٌ تسابق الزمن لإغاثة المنكوبين وإعادة البناء. وحتى في مواجهة الفيضانات والكوارث الطبيعيةكما في مدينة القصر الكبير ظل الإيمان بقدرة وطننا على النهوض أقوى من كل المحن.
إن المغرب اليوم لم يعد مجرد نقطة على الخريطة بل أصبح تجربةً تنمويةً وسياسية تسترعي الانتباه وفاعلًا إقليميًا يحظى باحترام شركائه ليس بما يرفعه من شعارات وإنما بما ينجزه على أرض الواقع.
لقد كانت السنوات السبع والعشرون الماضية رحلةً من العمل المتواصل بين ملكٍ يحمل رؤيةً للمستقبل وشعبٍ ظل يؤمن بأن الأوطان تُبنى بالصبر والإرادة قبل أن تُبنى بالحجارة والإسمنت.
وربما يكون أجمل ما في هذه الحكاية أن صفحاتها الأخيرة لم تُكتب بعد وأن المستقبل لا يزال يحمل للمغرب فصولًا جديدة، عنوانها الدائم :
الأمانة قبل المجد…
والعمل قبل الاحتفاء.
ولأن الأوطان العظيمة لا تُقاس بما يُقال عنها بل بما يُبذل من أجلها فإن الشكر يظل أصدق خاتمة
وبعد شكر الله تعالى يظل الشكر موصولًا لملكنا محمد السادس على ما حمله من أمانة وما بذله من جهد وما غرسه من أمل في وطنٍ اختار أن يصنع مستقبله بالفعل لا بالشعار.
حفظ الله جلالة الملك وعافاه وأدام على بلدنا أمنه ووحدته ونهضته
- يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News

