
أوراق باحثة (3) : البحث القانوني في المغرب… عندما يصبح النص القانوني أسرع من سؤال الباحث
أكادير اليوم – يدخل الطالب كلية الحقوق وهو يحمل سؤالا بسيطا في ظاهره كيف أفهم القانون؟ لكنه بعد سنوات من الدراسة يواجه سؤالًا أكثر تعقيدا هل ما تعلمته داخل المدرج يكفي لفهم القانون كما يُمارس في المجتمع؟
بين القانون كما يكتب، والقانون كما يدرّس، والقانون كما يطبق، توجد مساحة واسعة تحتاج إلى التأمل. فالقانون ليس مجرد نصوص ومواد وفصول، بل هو منظومة حية تتفاعل مع الاقتصاد، والمجتمع، والتكنولوجيا، والتحولات الثقافية والحقوقية.
لقد ساهم البحث القانوني في المغرب في بناء تراكم علمي مهم، من خلال الدراسات والأبحاث الجامعية والأطروحات التي تناولت مختلف فروع القانون. فقد كان للجامعة دور أساسي في تكوين أجيال من الباحثين والقضاة والمحامين والممارسين، وفي تطوير الفكر القانوني من خلال التحليل والتأصيل والنقد.
غير أن التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع تفرض اليوم طرح سؤال جوهري: هل يستطيع البحث القانوني أن يواكب سرعة تغير الواقع؟
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الباحث إلى سنوات من القراءة والتحليل والتأصيل لإنتاج معرفة علمية رصينة، تظهر إشكالات جديدة بوتيرة متسارعة التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، حماية المعطيات الشخصية، تطور المعاملات الاقتصادية، التحولات في علاقات الشغل، وتغير طبيعة النزاعات الاجتماعية.
وهنا يظهر تحد حقيقي, هل يبقى الباحث القانوني في موقع تفسير النصوص بعد صدورها، أم ينتقل إلى موقع استشراف الأسئلة التي ستحتاج إلى إجابات قانونية في المستقبل؟
إن قيمة البحث القانوني لا تكمن فقط في شرح القاعدة القانونية الموجودة، فالتفسير والتأصيل يظلان جزءا أساسيا من بناء المعرفة القانونية، وإنما تكمن أيضا في القدرة على مساءلة هذه القاعدة: لماذا وُجدت؟ هل تحقق الهدف الذي وضعت من أجله؟ هل ما زالت تستجيب لتحولات المجتمع؟
فالطالب الذي يدرس القانون داخل الجامعة لا يحتاج فقط إلى معرفة ماذا يقول النص، بل يحتاج إلى فهم كيف يعمل النص داخل الواقع. يحتاج إلى الانتقال من حفظ المقتضيات القانونية إلى تحليل آثارها، ومن معرفة القاعدة إلى فهم السياق الذي تتحرك داخله.
وهنا تظهر أهمية الربط بين التكوين القانوني والممارسة العملية. فالفجوة بين المدرج والواقع لا تعني أن المعرفة الجامعية غير نافعة، بل تعني أن القانون، بطبيعته، يحتاج دائما إلى حوار بين النظرية والتطبيق.
إن الباحث القانوني اليوم مطالب بأن ينظر إلى المجتمع باعتباره مصدرا للأسئلة القانونية، لا مجرد مجال لتطبيق القواعد. فالقضايا التي يعيشها المواطنون، والإشكالات التي تواجه المؤسسات، والتحولات التي يعرفها الاقتصاد والتكنولوجيا، كلها يجب أن تكون جزءا من أجندة البحث القانوني.
كما أن المؤسسات العمومية والهيئات المهنية مطالبة بدورها بفتح قنوات أكبر مع الجامعة، لأن القانون الجيد لا يُبنى فقط داخل المؤسسات التشريعية، بل يستفيد أيضًا من المعرفة التي تنتجها مراكز البحث والخبراء.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل البحث القانوني في المغرب نظري أم تطبيقي؟
بل السؤال الأعمق هو: كيف نجعل البحث القانوني قادرًا على قراءة النص والواقع معًا؟
فالقانون الذي لا ينصت إلى المجتمع يصبح مجرد صياغات جامدة، والبحث القانوني الذي لا يطرح أسئلة الواقع يفقد جزءا من رسالته.
إن مستقبل البحث القانوني لا يكمن في الاختيار بين الجامعة والمجتمع، بل في بناء جسر بينهما؛ جسر يجعل الطالب أكثر استعدادًا للممارسة، والباحث أكثر قربًا من الأسئلة الحقيقية، والقانون أكثر قدرة على الاستجابة لتحولات المجتمع.
أوراق باحثة من الجامعة إلى المجتمع
البحث القانوني لا يكتمل عندما يفسر القانون فقط، بل عندما يساعد على فهم الحاجة إليه، وتطويره، وجعله أكثر قربا من الإنسان.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



