
الأمازيغية في المغرب: من سؤال الاعتراف إلى سؤال الفعلية والفعالية
- محمد المعين //
أكادير اليوم – عندما اعتمد دستور سنة 2011 اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، بدا وكأن المغرب قد حسم، من الناحية المبدئية، أحد أكثر الملفات اللغوية والثقافية تعقيدا في تاريخه المعاصر. فقد انتقل النقاش من شرعية المطالبة بالاعتراف إلى شرعية المطالبة بالتنزيل، ومن الدفاع عن حق ثقافي إلى مساءلة السياسات العمومية المكلفة بتحويل هذا الحق إلى ممارسة مؤسساتية.
غير أن الانتقال من الاعتراف القانوني إلى فعلية الحقوق الثقافية والفعالية المؤسساتية ليس انتقالا آليا. فالدساتير لا تغير الواقع بذاتها، وإنما تضع الإطار الذي يسمح بتغييره. وبين النص والممارسة تتدخل الإدارة، والسياسات العمومية، والموارد البشرية، والإرادة السياسية، والتمثلات الاجتماعية، وهي جميعها عناصر تحدد مدى نجاح أي إصلاح لغوي.
إن الإشكال الذي يواجه الأمازيغية اليوم لم يعد يتعلق بمشروعيتها الدستورية، ولا بعمقها التاريخي، ولا بقيمتها الحضارية. فقد حسمت هذه الأسئلة، على الأقل من الناحية القانونية والمؤسساتية. الإشكال الحقيقي أصبح يتمثل في قدرة الدولة على إنتاج سياسة لغوية منسجمة، تنتقل بالأمازيغية من وضعية الحضور الرمزي إلى وضعية الاستعمال الوظيفي داخل المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والخدمات العمومية.
ويكشف تتبع مسار التفعيل أن هناك مفارقة تستحق التوقف عندها. فمن جهة، تحقق تقدم لا يمكن إنكاره؛ إذ أصبحت الأمازيغية حاضرة في التعليم، وفي عدد من المؤسسات العمومية، وفي الفضاء البصري، كما تطور إنتاجها الأكاديمي، واتسعت دائرة البحث العلمي المرتبط بها. ومن جهة ثانية، ما تزال وتيرة التنزيل أقل من سقف الانتظارات التي خلقها النص الدستوري والقانون التنظيمي 26.16 القاضي بتحديد مراحل تفعيل طابعها الرسمي، الأمر الذي يجعل الفارق بين المبدأ والتطبيق أكثر وضوحا كلما اتسع الزمن الفاصل بينهما.
ولا ينبغي اختزال هذا البطء في نقص الإمكانيات وحده، لأن تدبير اللغات ليس مجرد مسألة مالية أو تقنية، بل هو في المقام الأول اختيار في ترتيب الأولويات العمومية.
فالسياسات اللغوية الناجحة لا تقاس بعدد النصوص القانونية، وإنما بمدى قدرتها على إعادة تنظيم المجال العمومي، بحيث يصبح استعمال اللغة أمرا عاديا لا يحتاج إلى استثناءات أو مبادرات فردية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل تحققت رسمية الأمازيغية؟ وإنما: إلى أي حد أصبحت هذه الرسمية منتجة لحقوق لغوية فعلية؟ فهناك فرق جوهري بين الاعتراف باللغة باعتبارها مكونا من مكونات الهوية الوطنية، وبين تمكين المواطن من استعمالها في علاقته اليومية مع المؤسسات. الأول يكتسب قيمة رمزية، أما الثاني فيكتسب قيمة حقوقية.
كما أن اختزال النقاش في ثنائية “مع” أو “ضد” الأمازيغية لم يعد منتجا. فبعد خمسة عشر عاما من الدسترة، لم تعد القضية قضية هوية، بل أصبحت قضية حكامة. إنها تتعلق بكيفية تصميم السياسات العمومية، وبنجاعة التنسيق بين القطاعات الحكومية، وبقدرة المؤسسات على تحويل الالتزامات القانونية إلى مؤشرات قابلة للقياس والتقييم.
إن تجارب الدول التي نجحت في تدبير تعددها اللغوي تؤكد أن حماية اللغات لا تتحقق بالشعارات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة بها، وتكوين الموارد البشرية اللازمة لاستعمالها، وربطها بمختلف مجالات التنمية. فاللغة التي تغيب عن الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا، مهما كانت مكانتها الرمزية، تظل مهددة بأن تبقى محصورة في المجال الثقافي.
ولذلك، فإن مستقبل الأمازيغية في المغرب لن يتحدد بالنقاشات الإيديولوجية، بل بقدرة الدولة على الانتقال من منطق التدبير المرحلي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي. فالتحدي لم يعد هو إثبات أن الأمازيغية جزء من هوية المغرب، وإنما جعلها جزءا من كفاءة مؤسساته، ومن جودة خدماته، ومن فعالية سياساته العمومية.
إن نجاح ورش تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لن يقاس بعدد اللوحات المكتوبة بحروف تيفيناغ، ولا بعدد المناسبات التي تحتفى فيها باللغة، وإنما سيقاس باليوم الذي يصبح فيه استعمالها داخل المدرسة والإدارة والمحكمة والمستشفى ممارسة عادية، لا تستدعي أي نقاش استثنائي. عندها فقط يمكن القول إن المغرب لم ينجز مجرد اعتراف دستوري، بل أنجز تحولا مؤسساتيا حقيقيا.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



