
دراسة مقارنة بين نداء طنجة والبيان الختامي للمؤتمر الاستثنائي للحركة الثقافية الأمازيغية
تكشف هذه المقارنة أن الوثيقتين، رغم انطلاقهما من الدفاع عن القضية الأمازيغية، تعبران عن رؤيتين مختلفتين للدولة، ولطبيعة الأزمة، ولوسائل التغيير، وللشرعية السياسية.
1- السياق السياسي لإصدار الوثيقتين
1-1. نداء طنجة
صدر نداء طنجة في سياق خاص يتميز بـ:
• مرور أكثر من عشر سنوات على دسترة الأمازيغية سنة 2011.
• صدور القانون التنظيمي رقم 26.16.
• بطء تنزيل الطابع الرسمي.
• استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الإدارية.
• تصاعد مطالب الجمعيات المدنية بتفعيل الحقوق اللغوية.
وبالتالي فإن النداء هو وثيقة ضغط مدني هدفها دفع الدولة إلى تنفيذ التزاماتها الدستورية.
1-2 البيان الختامي للحركة
أما البيان فقد صدر في سياق مختلف تماما، يتميز بـ:
• شعور داخل الحركة الثقافية الأمازيغية بأن المشروع الأمازيغي دخل مرحلة من الجمود.
• تصاعد النقاش حول استقلالية الحركة.
• بروز خلافات داخل الفاعلين الأمازيغيين.
• توسع النقاش من الحقوق اللغوية إلى طبيعة الدولة والسياسات العمومية.
ولذلك فإن البيان يمثل إعادة تعريف للمشروع النضالي للحركة أكثر مما يمثل مجرد مطالبة بتطبيق القانون.
2- الاختلاف في تصور الدولة
وهنا يكمن جوهر المقارنة.
نداء طنجة
ينظر إلى الدولة باعتبارها:
• الضامن للدستور.
• صاحبة الاختصاص في تنفيذ القوانين.
• شريكاً في الإصلاح.
ولهذا يعتمد خطابا قانونيا إصلاحيا.
فالمشكلة ليست الدولة في ذاتها، وإنما بطء مؤسساتها.
البيان
أما البيان فينظر إلى الدولة باعتبارها:
• منتجة لسياسات التهميش.
• مسؤولة عن استمرار الإقصاء.
• غير جادة في احترام الالتزامات الدستورية.
وبالتالي يتحول الخطاب من:
كيف نساعد الدولة على التفعيل؟
إلى
كيف نواجه السياسات العمومية التي تفرغ الترسيم من مضمونه؟
وهذا تحول فكري بالغ الأهمية.
3- مفهوم الطابع الرسمي للأمازيغية
نداء طنجة
يفهم الترسيم باعتباره:
• استعمال اللغة.
• إدماجها في الإدارة.
• التعليم.
• القضاء.
• الإعلام.
• الرقمنة.
• الوثائق الرسمية.
أي أن الترسيم هو مشروع إداري وتشريعي.
البيان
لا يرفض ذلك.
لكنه يعتبر أن:
الترسيم الحقيقي يعني:
• إعادة توزيع السلطة الرمزية.
• الاعتراف بالهوية.
• إنهاء المركزية الثقافية.
• العدالة اللغوية.
• العدالة التاريخية.
أي أن الترسيم ليس ترجمة الوثائق فقط.
بل تغيير بنية الدولة.
4- مفهوم الهوية
نداء طنجة
يعتمد الخطاب الدستوري:
المغرب:
• متعدد الروافد.
• غني بتنوعه.
• الأمازيغية مكون أساسي.
إذن:
الهوية المشتركة.
البيان
يتجاوز هذا التصور.
فيرى أن:
الهوية الأمازيغية ليست مجرد “رافد”.
بل هي:
• الأصل التاريخي.
• العمق الحضاري.
• أساس الشخصية المغربية.
وهنا يظهر اختلاف فلسفي واضح.
5- مفهوم الديمقراطية
في نداء طنجة:
الديمقراطية تعني:
• احترام الدستور.
• تنفيذ القانون.
• المساواة.
أما في البيان:
الديمقراطية لا تتحقق إلا عبر:
• الاعتراف بالهوية.
• إنهاء الإقصاء.
• إعادة توزيع السلطة الثقافية.
• تفكيك الهيمنة الرمزية.
أي أن البيان يقدم تصورا أوسع للديمقراطية.
6- اللغة السياسية
يمكن إجراء تحليل لساني للوثيقتين.
نداء طنجة
المعجم الأكثر حضورا:
• التفعيل
• الإدماج
• الشراكة
• الحكامة
• الالتقائية
• المواكبة
• التنسيق
• الإصلاح
• التنزيل
وهو معجم الإدارة العمومية.
البيان
المعجم الأكثر تكرارا:
• النضال
• المقاومة
• الإقصاء
• الهيمنة
• المخزن
• التهميش
• الاستقلالية
• التعبئة
• الصمود
• التحرر
وهو معجم سياسي.
7- صورة الفاعل السياسي
نداء طنجة
الفاعل الأساسي هو:
• الحكومة.
• البرلمان.
• المؤسسات.
• الأحزاب.
• الجماعات الترابية.
• المجتمع المدني.
الجميع شركاء.
البيان
الفاعل الحقيقي هو:
• الحركة.
• الطلبة.
• المناضلون.
• الجماهير.
• التنظيمات المستقلة.
أما المؤسسات الرسمية فهي موضوع للنقد أكثر من كونها شريكا.
8- تصور المجتمع المدني
في نداء طنجة:
الجمعيات:
وسيط بين الدولة والمجتمع.
أما في البيان:
الحركة نفسها هي:
فاعل سياسي مستقل.
وهذا فارق كبير.
9- مفهوم الجامعة
نداء طنجة لا يمنح الجامعة دورا مركزيا.
بينما يعتبر البيان أن الجامعة:
• فضاء إنتاج المعرفة.
• مدرسة للنخب.
• مجال للتعبئة.
• ساحة للصراع الفكري.
• مختبر لإنتاج المشروع الأمازيغي.
وهذا طبيعي لأن الحركة الثقافية الأمازيغية نشأت داخل الجامعة.
10- العلاقة مع الأحزاب
نداء طنجة
يدعو الأحزاب إلى:
• تحمل المسؤولية.
• تقديم مبادرات.
• دعم الترسيم.
البيان
يتعامل بحذر مع الأحزاب، ويركز على استقلالية الحركة وعدم خضوعها للاحتواء السياسي.
11- مفهوم الحقوق
في نداء طنجة
الحقوق هي:
• لغوية.
• ثقافية.
• دستورية.
أما البيان
فيضيف إليها:
• الحقوق الاجتماعية.
• الحقوق الاقتصادية.
• العدالة المجالية.
• الحقوق الطلابية.
• الحريات العامة.
أي أن القضية الأمازيغية تصبح جزءا من مشروع تغيير مجتمعي شامل.
12- الخطاب تجاه السلطة
في نداء طنجة
الخطاب يقوم على:
المطالبة.
أما البيان
فيقوم على:
المساءلة والمواجهة السياسية.
وهذا تحول في طبيعة الخطاب.
13- البعد الإيديولوجي
يمكن القول إن نداء طنجة يتبنى خطابا إصلاحيا مؤسساتيا يراهن على استثمار المكتسبات الدستورية والقانونية، بينما يتبنى البيان خطابا نقديا راديكاليا يرى أن الاختلالات ذات طبيعة بنيوية، وأن الحل لا يقتصر على تنزيل النصوص، بل يستدعي مراجعة السياسات العمومية وأنماط تدبير التعدد اللغوي والثقافي.
ومن المهم، في إطار البحث الأكاديمي، التمييز بين وصف مضمون البيان وبين تبني تقييماته السياسية؛ فالبيان يعبر عن موقف الحركة الثقافية الأمازيغية، بينما يقدم نداء طنجة تصوراً ترافعيا مدنيا، ولكل منهما سياقه ومرجعياته وأدواته في الدفاع عن الأمازيغية.
• سعيد باجي (29 يوليوز 2026)
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



