الاقتصادالرأي

تقرير البنك الدولي: البنية التحتية وحدها لا تكفي… المغرب في حاجة إلى ثورة رقمية

جاء آخر تقرير للبنك الدولي حول الاقتصاد المغربي حاملا رسالتين متكاملتين. الأولى إيجابية، تؤكد أن المملكة تعيش واحدة من أفضل مراحلها الاقتصادية خلال العقد الأخير، بفضل الاستثمارات العمومية الكبرى، وتحسن النشاط الفلاحي، واستمرار الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030. أما الرسالة الثانية فهي أكثر أهمية، لأنها تتعلق بما ينبغي أن يكون عليه المغرب خلال السنوات المقبلة، وليس بما حققه اليوم. وهي رسالة تضع بها المؤسسة الدولية الأصبع على أعطاب وتحديات التنمية في المملكة المغربية.
في هذا الإطار، سلَّط التقرير الضوء على ما وصفه بـالتحول الرقمي المنقوص داخل المقاولات المغربية، إذ أظهرت نتائج الدراسات أن أغلب الشركات الكبرى، تمكنت من اعتماد الأدوات الرقمية الأساسية، غير أن نسبة المقاولات التي تعتمد بشكل متكامل على الحلول الرقمية المتقدمة ما تزال محدودة، ولا تتجاوز أقل من خُمُس مجموع المقاولات، أي أقل من مقاولة من بين خمس مقاولات كما جاء حرفيا في التقرير.
ويشرح البنك الدولي الاستخدام المتقدم للرقمنة في المقاولات، في اعتماد أنظمة متطورة لتدبير المؤسسات، ومنصات إدارة علاقات الزبائن، والتجارة الإلكترونية، وسلاسل التوريد الذكية، وتحليل البيانات. وهي أدوات أصبحت اليوم معيارا أساسيا لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز القدرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والدولية.
وأكد البنك الدولي أن المقاولات التي تستثمر بشكل مكثف في التكنولوجيا الرقمية تحقق نتائج أفضل بكثير مقارنة بغيرها، حيث ترتفع إنتاجيتها بما يصل إلى 70 %، كما تسجل معدلات أسرع في خلق فرص الشغل تبلغ 10%، مع توفير أجور أعلى للعاملين بها يحددها التقرير في 27% في المتوسط. هذه الأرقام تجعل الرقمنة استثمارا اقتصاديا واجتماعيا في الوقت نفسه.
وتشير تقديرات المؤسسة المالية الدولية إلى أن تقليص الفجوة الرقمية التي تفصل المغرب عن عدد من الاقتصادات المقارنة، يمكن أن ترفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بنسبة تتراوح بين 10 و15 %، وهو ما سينعكس إيجابا على النمو، والاستثمار، والتشغيل، وتحسين تنافسية المقاولات المغربية.
لقد نجح المغرب في بناء موانئ عالمية، وطرق سيارة حديثة، وخطوط للقطار فائق السرعة، ومطارات ومناطق صناعية أصبحت مرجعا في إفريقيا. وهي إنجازات لا يمكن إنكار أثرها في تعزيز جاذبية المملكة للاستثمار وتحسين موقعها في سلاسل القيمة العالمية. غير أن الاقتصاد الحديث لم يعد يقاس فقط بعدد الكيلومترات من الطرق أو بحجم الاستثمارات العمومية، بل أصبح يقاس بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتحويل البيانات إلى ثروة.
ويلفت التقرير الانتباه إلى أن هذه الطفرة التي يشهدها الاقتصاد المغربي، لا ينبغي أن تحجب التحديات البنيوية التي تَحُد من قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق نمو مرتفع ومستدام. فالإنتاجية ما تزال دون الإمكانات المتاحة، كما أن خلق فرص الشغل لا يواكب حجم الاستثمارات المنجزة، وهو ما يستدعي إصلاحات أعمق لسوق الشغل، وتحسين مناخ الأعمال، ورفع تنافسية المقاولات المغربية.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي يوجهها البنك الدولي للمغرب واضحة: الاستثمارات الضخمة التي تعرفها المملكة تمثل فرصة تاريخية، لكنها لن تحقق أثرها الكامل إلا إذا رافقتها إصلاحات مؤسساتية وهيكلية عميقة، تجعل من الاقتصاد المغربي أكثر إنتاجية وابتكارا وقدرة على خلق فرص الشغل.
من هنا تأتي أهمية ما أشار إليه البنك الدولي بشأن ضرورة رفع الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتسريع التحول الرقمي. فالإنتاجية هي الحلقة التي ما تزال تحتاج إلى قفزة نوعية. ويمكن للاقتصاد أن يحقق نسب نمو مرتفعة بفضل الاستثمار العمومي، لكن المحافظة على هذا النمو وتحويله إلى فرص شغل مستدامة، يتطلب اقتصادا أكثر ابتكارا، وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا.
ويرى البنك الدولي أن تعميم استعمال التقنيات الرقمية داخل المقاولات والإدارات العمومية يمكن أن يشكل رافعة أساسية لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وزيادة تنافسية الاقتصاد الوطني.
يعتبر البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي يعاني من ثلاثة أعطاب: ضعف الإنتاجية – ضعف الابتكار – وضعف القدرة على التشغيل.
فكيف للمغرب أن يستجيب للمقترحات التي جاء بها تقرير البنك الدولي؟
لعل أفضل إطار لتحقيق خلاصات تقرير البنك الدولي هو استراتيجية المغرب الرقمي 2030. فهذه الاستراتيجية لا ينبغي أن تقتصر على رقمنة الخدمات الإدارية، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني لإعادة هيكلة الاقتصاد على أساس الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والأمن السيبراني، والاقتصاد الرقمي.
إن الرقمنة لم تعد رفاهية إدارية، بل أصبحت عاملا رئيسيا في رفع إنتاجية المقاولات، وتقليص التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة تنافسية الصادرات المغربية. والدول التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم لم تحقق ذلك لأنها تمتلك موارد طبيعية أكبر، وإنما لأنها استثمرت في المعرفة والابتكار ورأس المال البشري.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة تاريخية للمغرب. فإذا أحسن توظيفه في الإدارة، والصناعة، والفلاحة، والصحة، والتعليم، واللوجستيك، فإنه قادر على إحداث نقلة نوعية في الإنتاجية والخدمات العمومية. لكن تحقيق ذلك يقتضي إعداد الكفاءات، وتطوير البنية الرقمية، وتشجيع البحث العلمي، ودعم المقاولات الناشئة، ووضع إطار قانوني وأخلاقي يضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
كما أن نجاح التحول الرقمي لا يُقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي تُطلق، وإنما بمدى استعمالها من قبل المواطنين والمقاولات، وبقدرتها على تبسيط الإجراءات، وتقليص آجال المعاملات، وتعزيز الشفافية، والحد من البيروقراطية. فالتحول الرقمي الحقيقي هو الذي يغير طريقة عمل المؤسسات، وليس فقط واجهاتها الإلكترونية.
ومن زاوية أخرى، فإن استضافة المغرب لكأس العالم 2030 تمثل فرصة استثنائية لتسريع هذا التحول. فالتظاهرات العالمية لم تعد مجرد منافسات رياضية، بل أصبحت مختبرات للمدن الذكية، والخدمات الرقمية، والتنقل الذكي، والأمن السيبراني، والاتصالات فائقة السرعة. وإذا نجح المغرب في استثمار هذه المحطة، فإنه لن يربح فقط رهان التنظيم، بل سيحقق قفزة في تحديث اقتصاده وإدارته.
لقد نجح المغرب في بناء بنية تحتية حديثة ومتطورة، إلا أن التحدي الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في تحويل هذه البنيات إلى محرك دائم للنمو الاقتصادي، عبر الاستثمار في الرأسمال البشري، وتسريع الرقمنة، وتشجيع الابتكار، وتعزيز دور القطاع الخاص. فهذه هي الرسالة التي يبعث بها تقرير البنك الدولي، وهي أيضا خارطة الطريق نحو تحقيق نموذج تنموي أكثر استدامة وشمولا.
إن رسالة البنك الدولي تبدو واضحة: لقد نجح المغرب في تشييد البنية التحتية، وحان الوقت لاستثمارها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وابتكارا. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم ليس: كم سنستثمر؟ بل: كيف نجعل كل درهم يُستثمر أكثر إنتاجية، وكل خدمة أكثر ذكاءً، وكل مؤسسة أكثر كفاءة؟
إن المستقبل الاقتصادي للمغرب لن يُحسم بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما بالبيانات والخوارزميات والعقول المبدعة. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لاستراتيجية المغرب الرقمي 2030 سيكون حين تتحول الرقمنة والذكاء الاصطناعي من مشاريع قطاعية إلى ثقافة وطنية، ومن أدوات تقنية إلى محرك رئيسي للنمو والتنمية وخلق فرص الشغل.
ويبدو أن الرسالة الأساسية التي يوجهها البنك الدولي للمغرب واضحة: فالاستثمارات الضخمة التي تعرفها المملكة تمثل فرصة تاريخية، لكنها لن تحقق أثرها الكامل إلا إذا رافقتها إصلاحات مؤسساتية وهيكلية عميقة، تجعل من الاقتصاد المغربي أكثر إنتاجية وابتكارا وقدرة على خلق فرص الشغل.
سعيد الغماز-كاتب وباحث

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
situs toto dentoto dentoto