
اليهود المغاربة..مكون أصيل من الهوية الوطنية وليس مجرد “طائفة”..
- بقلم: الحسن باكريم //
ما زالت بعض وسائل الإعلام، بل وحتى بعض المسؤولين، يستعملون تعبير “الطائفة اليهودية بالمغرب” بطريقة توحي بأن اليهود جماعة أجنبية استوطنت المغرب في مرحلة تاريخية معينة، بينما تكشف المصادر التاريخية والدراسات الأكاديمية أن هذا الوصف، وإن كان صحيحًا من الناحية الدينية، يظل قاصرًا إذا أُريد به اختزال تاريخ اليهود في المغرب.
فاليهود الذين عاشوا في المغرب عبر أكثر من ألفي سنة ليسوا جميعًا من أصول وافدة، بل هم في جزء مهم منهم يهود مغاربة، ارتبطوا بالأرض المغربية ولغاتها وثقافتها، وأسهموا في بناء تاريخها وحضارتها. وتؤكد دراسات عدد من المؤرخين، من بينهم الباحث المغربي الراحل حاييم الزعفراني، أن الوجود اليهودي في المغرب سابق للفتح الإسلامي، بل يعود إلى عصور قديمة، قبل الميلاد في بعض المناطق.
كما تشير العديد من الأبحاث إلى أن اليهودية انتشرت بين بعض السكان المحليين في شمال إفريقيا قبل الإسلام، وأن قبائل أمازيغية اعتنقت الديانة اليهودية، وإن كان المؤرخون يختلفون حول حجم هذه الظاهرة ومدى انتشارها الجغرافي. لذلك، فإن القول إن جميع اليهود المغاربة من أصول أمازيغية لا يحظى بإجماع أكاديمي، لكن وجود يهود مغاربة من أصول أمازيغية يعد حقيقة تاريخية تؤكدها مصادر متعددة.
وبالإضافة إلى هذا المكون المحلي، استقبل المغرب موجات من اليهود القادمين من المشرق، ثم من الأندلس بعد سقوطها في نهاية القرن الخامس عشر، حيث وجدوا في المغرب ملاذًا آمنًا، وامتزجوا مع اليهود المغاربة الذين كانوا مستقرين في البلاد منذ قرون، فتشكلت هوية يهودية مغربية متميزة.
وقد انتشر اليهود في مختلف جهات المغرب، خاصة في سوس، والصويرة، ومراكش، وتارودانت، وتافيلالت، ودرعة، والجنوب الشرقي، ومناطق الصحراء، حيث عاشوا في القرى والقصور والمدن، ومارسوا التجارة والصناعة التقليدية وصياغة الذهب والفضة، وأسهموا في تنشيط المبادلات التجارية بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء.
وكانت اللغة الأمازيغية لغة الحياة اليومية لآلاف اليهود في سوس والأطلس والجنوب الشرقي، بينما تحدث آخرون العربية المغربية أو الحسانية، واحتفظوا بعادات وتقاليد مغربية خالصة، وهو ما يجعلهم جزءًا أصيلًا من الشخصية الحضارية للمغرب.
ومع وصول الإسلام إلى المغرب، اعتنق عدد من اليهود الإسلام، بينما حافظ آخرون على ديانتهم اليهودية، واستمرت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين واليهود عبر قرون، مع ما عرفته بعض الفترات من ازدهار أو توترات، شأنها شأن باقي المجتمعات التاريخية.
وفي القرن العشرين، وخاصة بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، غادر معظم اليهود المغاربة وطنهم نحو إسرائيل وفرنسا وكندا ودول أخرى، بفعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة. غير أن هجرتهم لم تُلغِ هويتهم المغربية، إذ لا يزال كثير منهم يعتزون بأصولهم المغربية، ويحافظون على اللهجة المغربية والمطبخ المغربي والموسيقى المغربية، ويزورون بلدهم الأصلي باستمرار.ولهم العديد من الاولية والاضرحى .
ولعل أهم اعتراف رسمي بمكانة اليهود المغاربة جاء مع دستور المملكة لسنة 2011، الذي نص صراحة على أن الروافد العبرية تشكل أحد المكونات الأساسية للهوية المغربية، إلى جانب الروافد الأمازيغية والعربية الإسلامية والحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية.
ومن هنا، فإن الحديث عن اليهود في المغرب ينبغي أن يتجاوز النظرة الضيقة التي تحصرهم في مجرد “طائفة”، إلى اعتبارهم مواطنين مغاربة يعتنقون الديانة اليهودية، ومكونًا تاريخيًا وثقافيًا أسهم في بناء المغرب عبر القرون.
إن تصحيح هذا المفهوم ليس دفاعًا عن فئة بعينها، بل هو دفاع عن الحقيقة التاريخية، وعن الذاكرة الوطنية المشتركة، التي تؤكد أن قوة المغرب كانت دائمًا في تنوعه، وفي قدرته على احتضان روافده الحضارية المختلفة دون أن يفقد وحدته وهويته.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



