
العزوف عن الزواج بالمغرب بين أزمة التقاليد والقيم .
اكادير اليوم : سميرة مقتحم
استفحلت ظاهرة العنوسة في صفوف الشباب المغاربة خلال السنوات الأخيرة بسبب عوامل اجتماعية فيزيولوجية اقتصادية وايديلوجية ساهمت في عزوف أغلب الشباب عن فكرة الزواج رغم توفر الشروط الموضوعية فتحول الزواج من عقد اجتماعي بين الزوجين لتكوين أسرة أساسه المودة والتعاون والرحمة إلى أزمة اجتماعية ونفسية ينفر منها الأغلبية.
بعد استفسار مجموعة من الشباب
عن أسباب العزوف عن الزواج تقاطعت اجاباتهم بين العوامل الاقتصادية غلاء المعيشة وعدم القدرة المادية لتوفير شروط العيش الكريم أكد آخرون أن التقاليد والاعراف السائدة بمحيطه اثرت بشكل بالغ عن غايات الزواج القائم على الاحترام والمودة والرحمة ورجح آخرون العزوف عن الزواج إلى عدم التوافق أثناء فترة الخطوبة بسبب طريقة التفكير المختلفة حول مقاصد الزواج .
ليست أزمة الزواج اليوم أزمة فقرٍ بقدر ما هي أزمة فكر وليست أزمة مهر فحسب بل أزمة قيمٍ اختلط فيها العرف بالشرع حتى غدا الناس يحرسون التقاليد أكثر مما يحرسون حدود الله.
بالرجوع الى مقاصد وغايات الزواج الشرعية سيتحرر الإنسان من عبودية الناس فإذا بكثير اليوم يستعبدون رأي المجتمع ويقيسون نجاح الزواج بعدد الحضور وفخامة القاعة وثمن الفستان ووزن الذهب لا بمقدار السكينة التي سيحملها الزوجان
إلى بيتهما.
لقد جعل الله الزواج آيةً من آياته فقال سبحانه :{وَمِنْ آيَاتِهِ أن خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
والمستفاد من الآية انها لم تجعل المال أساسًا ولا المظاهر معيارًا وإنما جعلت السكن والمودة والرحمة هي البنية الحقيقية للأسرة فحيث غابت هذه المعاني لم تُغنِ أفخم الحفلات عن أصحابها شيئًا .
إن أخطر ما أصاب مجتمعاتنا هو انتقال الزواج من ثقافة البناء إلى ثقافة الاستعراض وأصبح العرس في نظر كثيرين مناسبة لإثبات المكانة الاجتماعية لا لإعلان ميثاقٍ شرعي.
ومن تم نشأت دوامة المقارنات فهذا يقلد قريبَه وتلك تنافس صديقتها حتى صار الجميع أسرى لما يسميه علماء النفس الاجتماعي “ضغط الامتثال للجماعة” حيث يخشى الإنسان مخالفة السائد أكثر من خشيته مخالفة الحق.
ولذلك لم يعد السؤال: “هل هذا يرضي الله؟” بل أصبح: “ماذا سيقول الناس؟”
أصبح الزواج ضحية سلسلة من الانحرافات مغالاة في المهور وإسراف في الولائم ومبالغة في الزينة وفي اغلب الاحيان قروض ربوية لتبدأ الحياة الزوجية بمعصية تُذهب البركة.
قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ثم جاء الوعيد الذي لم يأتِ في كثير من الذنوب{فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
إن التنافس في والمجوهرات والديكورات وما يصاحب ذلك من مظاهر التفاخر لا يعكس قيمة الإنسان بل يعكس حجم الفراغ الذي يحاول بعض الناس ملأه بالمظاهر فكلما ضعفت القيم ارتفعت قيمة الزينة وكلما خفت نور الباطن ازداد الانشغال بلمعان الظاهر.
وقد قال رسول الله ﷺ«إن أعظم النكاح بركةً أيسره مؤونة.»
وفي هذا الحديث قاعدة اجتماعية عظيمة فكلما خفَّت المؤونة اتسعت دائرة الحلال وقلَّت الفتن واستطاع الشباب أن يبنوا بيوتًا مستقرة بدل أن يقضوا أعوامًا في جمع تكاليف ليلة واحدة.
أما محمد الطاهر بن عاشور فقد أبرز أن مقاصد الشريعة في الأسرة هي حفظ الدين واستقرار المجتمع وتحقيق السكينة والتراحم وأن كل ما يعطل هذه المقاصد أو يرهق الناس بغير حق يحتاج إلى مراجعة في ضوء روح الشريعة، لا مجرد العادة.
إن المجتمع الذي يجعل الزواج حلمًا مستحيلًا يفتح أبوابًا واسعة للفتنة ويؤخر العفاف ويثقل كاهل الأسر ثم يتساءل بعد ذلك عن أسباب تفكك العلاقات وضعف الاستقرار الأسري.
يحتاج مجتمعنا المغربي إلى مراجعة صادقة لا نحارب فيها الفرح بل نحارب الإسراف ولا نلغي العادات الحميدة، بل نميز بينها وبين العادات السلبية التي عطلت شرع الله فليس كل ما ورثناه صالحًا كما أن ليس كل جديد مذمومًا وإنما الميزان هو قول الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
فالوسطية ليست في حجم الإنفاق بل في حسن القصد وليست البركة فيما يُنفق بل فيما يبقى من أثر الإيمان بعد انطفاء الأضواء.
إن الزواج الذي يبدأ بتقوى الله ولو كان بسيطًا أقرب إلى السعادة من زواجٍ بهر الأبصار وأتعب القلوب.
فالحياة الزوجية لا تبنيها القاعات ولا تزينها المجوهرات وإنما تبنيها المودة وتحفظها الرحمة ويباركها صدق التوكل على الله.
فإذا أردنا أن نعيد للأسرة هيبتها فلنبدأ بإعادة الزواج إلى رسالته ولنجعل شعارنا قول النبي ﷺ:
«يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا.»
فكلما يسَّرنا الحلال،ضاقت مسالك الحرام وعاد الزواج كما أراده الله ميثاقًا للرحمة لا ميدانًا للمباهاة وبدايةً لبناء الإنسان لا لاستنزافه
الخطر هو أن ترتفع كلفة الحلال حتى يعجز عنه الشباب بينما تُفتح أبواب الحرام بلا قيود والمجتمع الذي يجعل الزواج مشروعًا استهلاكيًا لا يبني أسرًا بل يبني أزمات وما لم نعد إلى روح الإسلام في التيسير والاعتدال، فسنظل نبكي على العنوسة وتأخر الزواج وتفكك الأسر .
لقد أراد الله للزواج أن يكون بابًا للسكينة فجعلناه بابًا للديون وأراده ميثاقًا للرحمة، فجعلناه ميدانًا للمباهاة.كما اراده بداية لحياة مباركة فجعلناه عند بعض الناس بدايةً لأقساطٍ لا تنتهي.
فهل آن الأوان أن نراجع أنفسنا ونُعيد الزواج إلى رسالته الأولى: عبادةً ورحمةً وبناءً للإنسان قبل أن يكون احتفالًا للعيان؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



