
الحديث عن شخص رئيس الحكومة المقبلة إضعاف لقواعد الديمقراطية وتبخيس لثقة الناخبين..
- الحسن باكريم * //
أكادير اليوم – في كل محطة انتخابية، يُفترض أن ينصرف النقاش السياسي إلى البرامج، وإلى الرؤى المتنافسة، وإلى قدرة الأحزاب على إقناع المواطنين ببدائلها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
غير أن ما تشهده الساحة السياسية المغربية اليوم يثير أكثر من علامة استفهام، إذ انتقل جزء من النقاش مبكراً من سؤال: من سيفوز في الانتخابات؟ إلى سؤال آخر: من سيكون رئيس الحكومة المقبلة؟
هذا التحول ليس مجرد تفصيل في النقاش السياسي، بل يمس جوهر الديمقراطية التمثيلية. فالأنظمة الديمقراطية لا تنتج الحكومات عبر التكهنات، ولا عبر صناعة الانطباعات، وإنما عبر صناديق الاقتراع التي تمنح الشرعية لمن يفوز بثقة الناخبين.
إن القضية هنا ليست مرتبطة بالأشخاص، ولا تستهدف هذا الحزب أو ذاك، ولا تعني الاعتراض على أي شخصية سياسية مهما كان وزنها أو حضورها. فالنقاش لا يتعلق بمن يستحق رئاسة الحكومة، وإنما يتعلق بمنطق إنتاج الشرعية السياسية في دولة اختارت، بمقتضى دستورها، أن تجعل الانتخابات أساس تشكيل الأغلبية الحكومية.
الدستور المغربي وضع قواعد واضحة لا تحتمل التأويل السياسي المتسرع. فالمواطن هو من يحدد موازين القوى عبر التصويت، والملك يمارس صلاحياته الدستورية في تعيين رئيس الحكومة وفق المقتضيات الدستورية المنظمة لذلك. وبين هاتين المرحلتين تقف الأحزاب السياسية، باعتبارها مؤسسات دستورية، مطالبة بتأطير المواطنين وتقديم البرامج والحلول، لا الانشغال بصناعة سباق مبكر حول الأسماء.
إن الانزلاق نحو الحديث عن رئيس الحكومة قبل إجراء الانتخابات يحمل مخاطر سياسية ورمزية. فهو قد يبعث برسائل سلبية إلى الناخب، وكأن نتائج الاقتراع أصبحت مجرد إجراء شكلي، أو أن مخرجات العملية الديمقراطية محسومة سلفاً. ومهما كانت النوايا، فإن مثل هذا الخطاب يضعف الثقة في قيمة المشاركة السياسية، ويؤثر في صورة الانتخابات باعتبارها الآلية الوحيدة لإنتاج الشرعية الشعبية.
إن الديمقراطية لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات والقواعد. والأحزاب لا تُقاس بأسماء قياداتها فقط، وإنما بما تقدمه من مشاريع وبرامج، وبقدرتها على كسب ثقة المواطنين عبر التنافس الحر والنزيه. ولذلك، فإن تحويل النقاش من البرامج إلى الأشخاص، ومن الانتخابات إلى التكهنات، يفرغ العملية السياسية من مضمونها الديمقراطي.
اليوم، يحتاج المغرب إلى نقاش عمومي أكثر نضجاً، يضع في صلب اهتمامه شروط تنظيم انتخابات تنافسية وشفافة، ونسبة المشاركة، وجودة العرض السياسي، وتجديد النخب، وتطوير أداء الأحزاب في التأطير والتواصل مع المواطنين. أما الحديث عن هوية رئيس الحكومة المقبلة قبل أن يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع، فلا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة سياسية بديلة عن الحقيقة الوحيدة التي تصنعها إرادة الناخبين.
إن قوة الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود انتخابات دورية، بل أيضاً باحترام منطقها. ومنطق الديمقراطية بسيط وواضح: لا أحد يفوز قبل فتح صناديق الاقتراع، ولا أحد يكتسب الشرعية قبل أن يمنحه إياها المواطنون.
وفي لحظة تتطلع فيها المملكة إلى ترسيخ مسارها الديمقراطي وتعزيز الثقة في المؤسسات، فإن المسؤولية تقتضي من مختلف الفاعلين السياسيين والإعلاميين أن يعيدوا الاعتبار للنقاش حول البرامج والرهانات الوطنية، وأن يتركوا لصناديق الاقتراع أن تقول كلمتها أولاً. فذلك هو جوهر الشرعية، وروح الدستور، وأساس الديمقراطية التي يتطلع إليها المغاربة.
* الحسن باكريم : مدير نشر موقع أكادير اليوم
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



