
صرخة الواحة: من الهدوء إلى الاحتضار..
- بقلم: إدريس أبرايم //
في المغرب يعتبر المجال الواحي مكوناً أساسياً من مكونات الجغرافيا الوطنية، وحسب الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجرة الأركان، فإن المجال الواحي في المغرب يمتد على مساحة تقدر بـ 226 583 كيلومتراً مربعاً.
تعتبر الواحة رمزاً للاستقرار والصمود، ونموذجاً مستداماً لنظام بيئي ناتج عن تفاعل وتعايش مجموعة من العناصر الطبيعية والبشرية داخل المجال الصحراوي.
تزخر الواحات المغربية بمؤهلات ثقافية وسياحية واقتصادية، وتضم كذلك إرثاً تاريخياً وحضارياً يعبر عن قيم التعايش والتكافل والتدبير المشترك للموارد الطبيعية، كما يمكن اعتبار الاستثمار في المجال الواحي مدخلاً أساسياً من أجل تحقيق التنمية المستدامة من أجل خلق الظروف الملائمة للاستقرار السكاني داخل المجال الواحي.
لم يعد صمت الواحة دليلاً على الهدوء والسكينة بل أصبح أنيناً يحذر من كارثة بيئية وإنسانية وشيكة، فالواحات التي لطالما وقفت كجدار أمام تمدد الصحاري، أصبحت اليوم تعيش وضعية صعبة وحرجة وتقف لتجابه اختباراً مصيرياً وخطيراً وجودياً حقيقياً بسبب التغيرات المناخية التي تؤثر بشكل مباشر على التوازنات البيئية والاجتماعية، لتخلق ألم صرخة الواحة والتي يمكن تلخيص مظاهرها فيما يلي:
أولاً: الإجهاد المائي بسبب توالي سنوات الجفاف وانخفاض معدل التساقطات المطرية بالإضافة إلى الاستغلال المفرط للمياه الجوفية من أجل سقي زراعات دخيلة ومستهلكة للماء.
ثانياً: تفكك النسيج الاجتماعي واختلال الهرم السكاني داخل المجال الواحي بسبب الهجرة القروية.
ثالثاً: ظهور أمراض طفيلية فطرية وعلى رأسها مرض البيوض الذي يسبب تراجع إنتاجية الواحة ومردودها الاقتصادي عن طريق إبادة ملايين أشجار النخيل والتي تشكل العمود الفقري لنظام الواحة.
رابعاً: تدمير خصوبة التربة وقدرتها الإنتاجية والرفع من وثيرة انجرافها بالإضافة إلى تسريع ظاهرة زحف الرمال والتصحر، وتساهم كذلك التغيرات المناخية في الرفع من نسبة ملوحة التربة واختلال الخصائص الفيزيائية والكيميائية للتربة.
خامساً: القضاء على التنوع البيولوجي وتدمير الثروة النباتية والحيوانية بسبب التغيرات المناخية وحرائق الواحات.
سادساً: الحرائق الموسمية التي يمكن اعتبارها كجلاد يتربص بروح المجال الواحي في كل فصل صيف بسبب ارتفاع درجة الحرارة بشكل غير طبيعي أو بفعل العوامل البشرية المرتبطة بالتدخل البشري إلى جانب إهمال النخيل أو عدم تشذيب الأغصان الميتة والحشائش أو بفعل النفايات الزجاجية، كل هذه العوامل تتفاعل فيما بينها وفي لحظة خاطفة غير متوقعة تزهق روح الواحة وتتحول إلى لوحة متفحمة يكسوها الرماد.
لقد أصبح منطق الاقتصار على الإطفاء بعد وقوع الكارثة حلاً ترقيعياً وغير كافٍ، بل يتطلب الأمر إستراتيجية استباقية قصد مجابهة هذا الخطر والتقليل من تأثيرة على التوازن الطبيعي والإنساني في المجال الواحي.
يظل عنوان صرخة تنبيهاً أخيراً للجميع، لأن المأساة تتجاوز البعد البيئي لتصل إلى البعد الاجتماعي.
فهل سنستجيب للصرخة قبل أن تتحول الواحة إلى حكاية منسية في كتب التاريخ؟
بقلم: إدريس أبرايم
24/07/2026
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



