الجهة اليوم

القليعة: التحولات الديموغرافية ورهانات العيش المشترك في مدينة تنمو على هامش المجال الحضري

  • د.خالد ألعيوض //

تُعد مدينة القليعة إحدى أهم المدن الصاعدة بجهة سوس ماسة، وقد ارتبط تطورها بالموقع الاستراتيجي الذي تحتله كهامش لأكادير وإنزكان والمنطقة الصناعية لأيت ملول، إضافة إلى قربها من أكبر المجالات الفلاحية المسقية بإقليم اشتوكة آيت باها. فقد تحولت، خلال العقود الأخيرة، من مركز حضري صغير إلى مدينة تستقطب آلاف العمال والعاملات المشتغلين في القطاعين الصناعي والفلاحي، الأمر الذي جعلها تؤدي وظيفة اجتماعية واقتصادية تتجاوز حدودها الإدارية.

وأصبحت القليعة بمثابة “مدينة إقامة” أو “مدينة نوم”، حيث يقيم بها العمال الذين يتنقلون يومياً نحو الضيعات الفلاحية ووحدات التلفيف والمصانع المنتشرة بالمجال المجاور. وقد ساهم انخفاض كلفة السكن مقارنة بالمدن المجاورة في استقطاب أعداد متزايدة من الأسر، مما أدى إلى تسارع النمو العمراني والديموغرافي بوتيرة غير مسبوقة.

وازداد هذا التحول مع تعاقب موجات الهجرة الداخلية القادمة من مختلف جهات المغرب، خاصة من المناطق القروية التي دفعت بها التحولات الاقتصادية والجفاف وتراجع فرص الشغل نحو الهجرة.

كما عرفت المدينة، خلال السنوات الأخيرة، استقبال مهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، استقر عدد منهم بشكل دائم، بينما اتخذها آخرون محطة مؤقتة في مساراتهم نحو فرص عمل جديدة أو نحو الهجرة الدولية. وقد أضفى هذا التنوع السكاني بعداً جديداً على البنية الاجتماعية للمدينة، وأعاد تشكيل فضائها الثقافي واللغوي والاجتماعي.

وقد تجاوز عدد سكان القليعة اليوم مائة ألف نسمة، وهو رقم يعكس سرعة التحول التي عرفتها المدينة خلال فترة زمنية وجيزة. غير أن هذا النمو لم يكن دائماً مصحوباً بنفس الوتيرة في تجهيز المجال الحضري، مما أدى إلى بروز اختلالات عمرانية واجتماعية متعددة، من بينها توسع بعض أشكال السكن غير المنظم، والضغط على المؤسسات التعليمية والصحية، وارتفاع الطلب على النقل والخدمات الأساسية، إضافة إلى محدودية الفضاءات الثقافية والترفيهية الموجهة للشباب والأطفال.

كما أفرزت هذه التحولات تحديات اجتماعية معقدة، من بينها ارتفاع معدلات الهشاشة والفقر في بعض الأحياء، وتنامي بعض مظاهر الانحراف وتعاطي المخدرات والعنف الحضري، وهي ظواهر ترتبط غالباً بضعف التأطير الاجتماعي والثقافي، وبغياب فضاءات الإدماج والتنشيط الموجهة للفئات الهشة، خاصة الشباب والأطفال.

ورغم ذلك، فقد شهدت المدينة خلال السنوات الأخيرة دينامية تنموية مهمة قادها المجلس الجماعي، تمثلت في إنجاز مشاريع للبنيات التحتية، وتحسين الطرق والتجهيزات الأساسية، وإحداث ملاعب للقرب، وفضاءات رياضية، ومؤسسات للرعاية الاجتماعية، إلى جانب تحسين الخدمات العمومية.

وتؤكد هذه المبادرات وجود إرادة حقيقية لمواكبة النمو الحضري، غير أن حجم التحولات الديموغرافية يفوق في كثير من الأحيان الإمكانات المتاحة، مما يجعل الخصاص في التجهيزات والخدمات قائماً ويستدعي مقاربات أكثر شمولية.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه القليعة لا يقتصر على توفير البنيات الأساسية، بل يتمثل أساساً في بناء نموذج حضري قادر على تدبير التنوع الاجتماعي والثقافي الذي أصبح يميز المدينة.

فالعيش المشترك لم يعد مجرد شعار، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الشعور بالمواطنة والانتماء، خاصة داخل مدينة تتعايش فيها فئات اجتماعية وثقافية متعددة تختلف في أصولها وتجاربها وظروفها الاقتصادية.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى سياسات محلية تجعل من الإدماج الاجتماعي محوراً أساسياً للتنمية، عبر دعم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتطوير برامج الوساطة الاجتماعية، وتشجيع الحوار بين مختلف مكونات المجتمع، وإحداث فضاءات ثقافية ورياضية مشتركة، وتقوية دور الجمعيات المحلية في مواكبة الأسر والشباب والمهاجرين.

كما تفرض المرحلة الحالية التفكير في إحداث مرصد محلي للهجرة والتحولات الاجتماعية يتولى إنتاج المعطيات، وتتبع مؤشرات الاندماج، واقتراح السياسات العمومية المناسبة، بما يسمح بتحويل التنوع الديموغرافي والثقافي إلى عنصر قوة يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدل أن يتحول إلى مصدر للتوتر أو الإقصاء.

إن مستقبل مدينة القليعة سيظل رهيناً بقدرتها على الانتقال من منطق تدبير النمو العمراني إلى منطق تدبير الإنسان، وذلك من خلال الاستثمار في الرأسمال البشري، وتقوية العدالة المجالية، وترسيخ ثقافة العيش المشترك، بما يجعل المدينة نموذجاً وطنياً في إدارة التنوع والهجرة وتحقيق التنمية الحضرية المستدامة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
toto slot situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/