
زيارة سانشيز إلى الجزائر…مناورة طاقية بلا ثمن سياسي وتأكيد جديد على دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي
شهدت العاصمة الجزائرية استقبالاً رسمياً لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، في زيارة حملت في طياتها أبعاداً اقتصادية وأمنية وسياسية متداخلة، وجاءت في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع إعادة تشكل موازين القوى في منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ومع استمرار الجمود في ملف الصحراء المغربية الذي يظل العقدة المركزية في العلاقات الإقليمية.
ولم تكن هذه الزيارة وليدة الصدفة أو مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كانت محكومة بجملة من الضرورات التي تفرضها المرحلة الراهنة على صناع القرار في مدريد ،فعلى المستوى الطاقي، تسعى إسبانيا بكل قوة إلى تأمين إمداداتها من الغاز الطبيعي في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق العالمية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وتجد في الجزائر شريكاً استراتيجياً عبر أنبوب “ميدغاز” الذي يشكل شرياناً حيوياً للأمن الطاقي الإسباني. وعلى المستوى الأمني، لا يمكن لإسبانيا تجاوز الدور المحوري للجزائر في ملف الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر عبر الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. أما على المستوى السياسي والدبلوماسي، فقد جاءت الزيارة في أعقاب التحول العميق الذي أحدثته الحكومة الإسبانية في مارس من سنة 2022، حين أعلنت بشكل صريح ورسمي دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، وهو الموقف الذي أثار ردود فعل غاضبة في الجزائر ودفع العلاقات الثنائية إلى مرحلة من التوتر والجمود.
وقد تناولت المباحثات التي جمعت سانشيز بكبار المسؤولين الجزائريين ملفات التعاون الاقتصادي وتوسيع الاستثمارات الإسبانية في قطاعات الصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة، إلى جانب التأكيد على أهمية الشراكة في مجال الطاقة كركيزة أساسية للعلاقات المستقبلية ، غير أن المحور الأكثر حساسية في هذه الزيارة كان بلا شك الملف السياسي، حيث حاولت الجزائر استثمار اللقاء لجس نبض الموقف الإسباني الحالي بخصوص قضية الصحراء المغربية، ومحاولة استكشاف إمكانية حدوث أي تراجع أو تليين في الخطاب الرسمي لمدريد ،إلا أن الرد الإسباني جاء واضحاً وحاسماً ولا يحتمل التأويل، إذ أكد الجانب الإسباني تمسكه الكامل بالموقف الذي أعلنه سنة 2022، وشدد على أن دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم يعد خياراً ظرفياً أو تكتيكياً، بل تحول إلى ركيزة ثابتة في السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المنطقة.
ويستند هذا الثبات الإسباني إلى معطيات موضوعية واستراتيجية لا يمكن تجاوزها. فعلى الصعيد الاقتصادي، أصبح المغرب الشريك التجاري الأول لإسبانيا في القارة الإفريقية، بحجم تبادل تجاري يتجاوز 20 مليار يورو، واستثمارات إسبانية ضخمة في قطاعات حيوية مثل الموانئ والبنيات التحتية والسيارات والطاقات المتجددة. وعلى الصعيد الأمني، يشكل التعاون مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية عماد الاستراتيجية الإسبانية لمكافحة الإرهاب وضبط الحدود الجنوبية وحماية جزر الكناري من تدفقات الهجرة. كما أن اصطفاف إسبانيا إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وعدد متزايد من الدول الأوروبية والإفريقية الداعمة للمبادرة المغربية يعز من وزن مدريد داخل الاتحاد الأوروبي ويمنحها موقعاً أكثر تأثيراً في مقاربة الملفات الإقليمية.
في المقابل، دخلت الجزائر هذه الزيارة بسقف توقعات واضح تمثل في محاولة كسر العزلة الدبلوماسية النسبية التي تعيشها في ظل الدعم الدولي المتنامي للمقترح المغربي، ومحاولة دفع إسبانيا للعودة على الأقل إلى مربع الحياد التقليدي الذي كانت تتبناه قبل 2022 ، إلا أن نتائج الزيارة جاءت دون مستوى هذه التطلعات، حيث صدر بيان ختامي عام وخال من أي إشارة مباشرة أو صريحة إلى قضية الصحراء المغربية، واكتفى بعبارات فضفاضة حول دعم الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ، وهذا الغياب المتعمد للتفاصيل يعكس بوضوح أن الزيارة لم تحقق للجزائر أي اختراق سياسي ملموس، وأنها لم تتمكن من انتزاع أي موقف جديد من مدريد بخصوص النزاع.
ويمكن من خلال قراءة معمقة لما دار خلال هذه الزيارة استخلاص ثلاثة معطيات أساسية. المعطى الأول يتمثل في أن الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية لم يعد موقفاً قابلاً للمساومة أو للتغيير بتأثير الضغوط أو الإغراءات الطاقية، بل أصبح خياراً استراتيجياً مرتبطاً بعمق العلاقات المغربية الإسبانية ومستقبل إسبانيا في إفريقيا. أما المعطى الثاني فيتعلق بمحدودية أدوات الضغط التقليدية التي كانت تعتمد عليها الجزائر، إذ أثبتت التجربة أن ملف الطاقة وحده لم يعد كافياً لإرغام دولة ذات سيادة على تغيير مواقفها عندما تتعارض مع مصالحها العليا. والمعطى الثالث هو أن المجتمع الدولي يتحرك بشكل متزايد ومتسارع نحو تبني مقترح الحكم الذاتي كإطار وحيد وواقعي ومقبول من أجل التوصل إلى تسوية نهائية لهذا النزاع الإقليمي، وهو ما يضيق باستمرار هامش المناورة أمام الأطروحات التي لا تقدم أي حل عملي.
وخلاصة القول إن زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر يجب أن تقرأ في إطارها الصحيح باعتبارها زيارة تدبير للمصالح وتأمين للاحتياجات الطاقية والأمنية، وليست زيارة لإعادة رسم الخرائط السياسية أو لمراجعة المواقف من القضايا السيادية.
لقد نجحت إسبانيا في أن تأخذ من الجزائر ما تحتاجه من ضمانات في مجال الغاز والحفاظ على قنوات الحوار، وفي الوقت نفسه حافظت على عمق شراكتها الاستراتيجية مع المغرب وعلى موقفها الداعم لسيادته على كامل أراضيه. وبذلك تكون مدريد قد وجهت رسالة مزدوجة وواضحة، مفادها للجزائر أن التعاون ممكن ومفتوح ولكن في حدود المصالح المشتركة ودون المساس بالثوابت، وللمغرب أن الشراكة الاستراتيجية معه هي الخيار الذي لا رجعة فيه والذي يمثل مستقبل العلاقات الإسبانية في المنطقة.
وتؤكد هذه الزيارة مرة أخرى أن عجلة التاريخ في ملف الصحراء المغربية تسير في اتجاه واحد لا رجعة فيه، وهو اتجاه دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل سياسي توافقي وواقعي، وأن أي محاولة للالتفاف على هذا الواقع أو الرهان على تغيير مواقف الدول الكبرى أصبحت مجرد مضيعة للوقت ولن تغير من المعادلة شيئاً.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



