الرأيالعالم اليوم

أهذه مصر التي عرفناها…أم جمهورية الميكروفون؟

من المؤلم أن ترى اسمًا بحجم مصر يُستدعى اليوم في سياقٍ لا يليق بتاريخها ولا بمكانتها.

فالدولة التي كانت لعقود منارةً للفكر وعاصمةً للفن ووجهةً للإبداع العربي باتت تُقدَّم في بعض المنابر الإعلامية وكأنها لا تملك سوى الضجيج.. ولا تجيد سوى صناعة الانتصارات الورقية. والمفارقة أن هذا الضجيج لا يسيء إلى الآخرين بقدر ما يسيء إلى صورة مصر نفسها.

حين نقول مصر.. فإننا لا نستحضر استوديوهات الصراخ ولا برامج الإثارة بل نستحضر أم كلثوم وهي تجمع المشرق بالمغرب بصوتها وعبد الحليم حافظ وهو يصوغ وجدان أمة ونجيب محفوظ وهو يحصد أول نوبل عربية في الأدب ويوسف شاهين وهو يضع السينما المصرية في مصاف العالمية.

نستحضر مصر التي كانت تصنع القوة الناعمة لا الضوضاء وتصدر الفكر لا الانفعال وتفرض احترامها بما تبدعه لا بما ترفعه من شعارات جوفاء

لكن المؤسف أن جزءًا من الإعلام اختار طريقًا آخر يقوم على المبالغة وصناعة الخصومات والبحث الدائم عن خصم خارجي يُشغل الناس عن الأسئلة الحقيقية. وفي خضم هذا المشهد، أصبح اسم المغرب يُستحضر في كل مناسبة وكأنه ضرورة إعلامية لا يكتمل النقاش إلا بها حتى وإن كان الموضوع بعيدًا كل البعد عن المغرب.

والأغرب من ذلك أن كل صوت يدعو إلى التهدئة أو يحاول إعادة النقاش إلى مساره الطبيعي يُتهم أو يُهمَّش.. بينما يُفسح المجال لمن يرفع صوته أكثر.. لا لمن يقدم حجةً أقوى.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل هذه هي مصر التي عرفها العرب؟ أم أنها مجرد صورة مشوهة صنعتها عدسات تبحث عن نسب المشاهدة أكثر مما تبحث عن الحقيقة؟

ولو افترضنا جدلًا صحة كل ما يُقال عن التفوق والأفضلية فهل تُغيّر البرامج الحوارية ترتيب المنتخبات في تصنيف العالم؟

وهل تصنع العناوين الصاخبة بطولات؟ الواقع لا يُكتب في الاستوديوهات بل في الملاعب والإنجاز لا تصنعه الميكروفونات بل سنوات من التخطيط والعمل والانضباط.
أما المغرب فلا يبدو منشغلًا بإثبات نفسه عبر مقارنات يومية مع هذا المنتخب أو ذاك.

فمنذ سنوات اختار أن يجعل منافسه الحقيقي هو النسخة التي كان عليها بالأمس ( النصف النهائي)

لذلك ارتفع سقف طموحنا ولم يعد يرضينا مجرد الحضور أو الخروج المشرف بل أصبحنا ننظر إلى منصات التتويج باعتبارها هدفًا مشروعًا لا حلمًا بعيد المنال. إنها روح تمغربيت

تلك الشفرة التي تؤمن بأن التطور يبدأ من الداخل لا من مقارنة النفس بالآخرين.

ولذلك… فإن الحديث المتكرر عن مباراة ودية بين المنتخبين لا يبدو بريئًا في نظر كثيرين… فقبل أن تُلعب المباراة يبدأ بعض الإعلام في رسم سيناريوهات الانتصار والهزيمة… وكأن الهدف ليس منافسة رياضية بين شقيقين بل صناعة قصة جديدة تُستهلك لأشهر طويلة.

فإن لم تُقم المباراة – ونتمنى ذلك – قيل إن المغرب يخشى المواجهة وإن أُقيمت وجاءت النتيجة في اتجاه معين تحولت إلى مادة احتفالية تتجاوز حجمها الطبيعي.
وفي الحالتين، يبقى المستفيد الأول هو الضجيج لا الرياضة.

لهذا، فإن السؤال الذي بدأنا به يظل قائمًا:
أهذه مصر؟
في تقديري : لا…
ليست هذه مصر التي نعرفها. فمصر أكبر من أن تختزل في أصوات مرتفعة وأعمق من أن يُختصر تاريخها في خطاب إعلامي عابر.

مصر التي نحفظها في الذاكرة هي مصر الثقافة والعلم والفن وهي تستحق إعلامًا يليق بإرثها لا إعلامًا يعيش على صناعة الأوهام.

أما نحن فلا نحتاج إلى معارك الميكروفونات لإثبات مكانتنا. فالإنجازات لا تُصنع بالصخب، بل بالعمل ولا تُخلَّد بالهتاف بل بما يتحقق على أرض الواقع.

وبين من يبني مشروعًا للمستقبل ومن يكتفي بتزيين الحاضر بالشعارات يبقى الفارق واضحًا… فالتاريخ لا يخلّد أصحاب الأصوات الأعلى.. بل أصحاب الأثر الأعمق.

يوسف غريب كاتب صحفي…

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
toto slot situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/