المغرب اليوم

 أربعمائة مليون أفريقي يدخلون العصر المغربي الأطلسي

أكادير اليوم – ليس هناك أشد مأساوية في مسرح السياسة من ذلك الذي يمسك بشعلة ليحرق بها بيت جاره فإذا بالريح تطير بالشرر ليتسلق سقف بيته هو فيجلس في الظلام يتفرج على النار التي أوقدها

هكذا تبدو الدراما الأفريقية اليوم.. فالجزائر التي أغلقت بالأمس محبس الغاز المغاربي وظنت أنها بضغطة زر واحدة ستطفئ النور في بيوت المغاربة وتتركهم يغرقون في الظلام.. تقف اليوم مذهولة أمام مفارقة القدر. فبينما كانت بعض ولاياتها تغرق في عتمة الانقطاعات الكهربائية كانت الحكمة المغربية تبني بصلابة وهدوء غير ملتفتة لمن يسعى لإطفاء المصباح بل لمن يزرع النور في طريق القارة كلها.

ولأن عقدة النكاية السياسية لا تصنع دولة ولا تؤمن مستقبلاً فقد رأينا كيف اندفعت الجزائر لتقديم الهدايا والمولدات الكهربائية للنيجر في جلبة مستعجلة لا لشيء إلا لمحاولة قطع الطريق على انضمامها للرؤية المغربية الأطلسية وكأن المولدات الحرارية يمكنها أن تشتري موقعاً إستراتيجياً أو تلغي جغرافيا القدر..

لكن الأفارقة تعلموا الدرس جيداً تعلموا الفرق بين من يقدم لهم مسكنات مؤقتة ليشتري بها موقفاً سياسياً عابراً، وبين من يمد لهم يد العون الحقيقي بمشروع خيالي وعملي في آن واحد كأنبوب الغاز الأطلسي الذي وقعت عليه دول غرب أفريقيا في فريتاون اول امس

وكي يدرك المتابع حجم هذا القرار وقوته النفاذة يكفي أن يتأمل الخارطة البشرية والجغرافية لهذا التكتل
نحن لا نتحدث عن اتفاق ثنائي عابر بل عن إرادة إقليمية شاملة تمس حياة أربعمائة مليون إنسان يمثلون الكتلة السكنية الحية لغرب أفريقيا.

فعندما توثق الاتفاقية أسماء دول بحجم نيجيريا بوزنها الاقتصادي والهائل الذي يتجاوز وحده مائتي مليون نسمة وإلى جانبها السنغال وساحل العاج وغانا وسيراليون وبنين وتوغو وغامبيا وغينيا وغينيا بيساو وليبيريا والرأس الأخضر

فإن المتابعين يدركون فوراً أن المغرب لم يستقطب عواصم متفرقة بل حاز على توقيع شريط ساحلي قاري كامل يضع مقدرات واحتياجات أربعمائة مليون أفريقي في سلة مشروع استراتيجي واحد.

إن المغرب لم يدخل حلبة الصراعات الضيقة بل فتح أفقاً أوسع حين أطلق المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل الحبيسة – وعلى رأسها النيجر – من منافذ المحيط الأطلسي. إنها فلسفة بناء الطرق بدلاً من بناء الجدران..

فالغاز الذي يُصمم لينساب عبر تلك الدول ليغذي أفريقيا ويصل إلى أوروبا ليس مجرد وقود يمر في الأنابيب بل هو شريان حياة وثقة واندماج إقليمي تسقط أمامه كل المولدات المعارة والسياسات الانفعالية. لقد أثبتت الأيام أن النور لا يُسرق وأن من يحاول إظلام الآخرين غالباً ما ينسى كيف يضيء بيته..

بينما يمضي المغرب بثبات يربط القارات ويزرع الأمل ويترك التاريخ يكتب حكايته بأحرف من نور
فإذا كانت السياسة في أحيان كثيرة لعبة مناورات وتصريحات..

فإن التاريخ لا يحفظ إلا الشواهد التي تغير حياة الشعوب.
فلن يتذكر أحد المولدات التي بُعثت في ظلمة الليل لتشتري موقفاً عابراً.. لكن الذاكرة الأفريقية ستسجل باعتزاز أن هناك دولة آمنت بعمقها القاري ولم ترَ في الأطلسي مجرد شاطئ للغروب بل جسراً للعبور نحو المستقبل.

لقد انتهى زمن الشعارات وبدأ زمن المعمار المغربي الأطلسي حيث لا تُبنى الأمجاد بالأوهام بل برؤية ملكية ستحوّل الجغرافيا الصامتة إلى شريان تنمية يُضيء قارة بأكملها..

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
toto slot situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/