المغرب اليوم

 عشرون عاماً بين الإدارات.. ولويزا تنتظر اعتراف وطن والدها بمغربيتها

في عمق جبال الأطلس الكبير، حيث ترابط قرية تيمزگدوين التابعة لإقليم إيمينتانوت حارسةً لذاكرة الأرض وتفاصيل التاريخ المنسي بدأت حكاية تتجاوز حدود الزمن لتغدو ملحمة إنسانية استثنائية.

حكاية لا تُقاس بالسنوات بل بنبضات الحنين والتشبث بهوية رفضت أن تمحوها الغربة وجذور أبت أن تجف رغم قسوة الزمن.

هي قصة سيدة فرنسية المنشأ تخوض منذ ما يقارب عشرين عاماً نضالاً سيزيفياً لا يعرف الكلل متنقلة بين الإدارات والقنصليات والمؤسسات الوصية لا تطلب امتيازاً ولا تبحث عن مكسب وإنما تسعى إلى اعتراف رسمي بكلمة واحدة تختصر وجودها كله:أنا مغربية

تبدأ خيوط هذه القصة في ثلاثينيات القرن الماضي عندما كان شاب من أبناء الأطلس لم يتجاوز عقده الثاني يعيش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي.

وفي لحظة غضب وكبرياء دخل في شجار مع ابن أحد القادة العسكريين الفرنسيين بالمنطقة..ولم يكن أمامه سوى الفرار هرباً من بطش المستعمر.

غادر وطنه على عجل تاركاً خلفه جبال الأطلس وأهله وذكرياته لتقوده الأقدار إلى فرنسا حيث لم يكن مجرد لاجئ أو عابر سبيل بل التحق بالجيش الفرنسي وشارك في الدفاع عن فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية في مواجهة الاحتلال الألماني.

استقر هناك وتزوج من امرأة فرنسية ورُزق بابنة أسماها لويزا.

ورغم أنه لم تطأ قدماه أرض المغرب مرة أخرى ورحل عن الدنيا تاركاً فراغاً كبيراً في حياة ابنته فإنه أورثها ما هو أثمن من أي ميراث مادي أورثها وطناً كاملاً يسكن قلبها.

كان عمر لويزا اثني عشر عاماً فقط عندما فقدت والدها. شقت طريقها في الحياة بعصامية واجتهاد وتدرجت في مسارها العلمي والمهني حتى أنهت مسيرتها المهنية مؤخراً بعد سنوات طويلة من العمل في مؤسسة عمومية فرنسية مرموقة.

حققت نجاحاً اجتماعياً ومهنياً لافتاً غير أن ذلك النجاح لم يملأ الفراغ الذي ظل يلازمها:

سؤال الهوية والانتماء.

تقول لويزا، بمرارة يختلط فيها الألم بالفخر: ( أنا مغربية الروح والقلب والعادات..بيتنا في فرنسا كان مغربياً بامتياز تربيت على قيم المغرب وثقافته بفضل والدي وحتى والدتي الفرنسية نسجت تفاصيل حياتنا على إيقاع مغربي)
ورغم تعقيد المساطر الإدارية لم تسمح لليأس بأن يتسلل إلى قلبها

وهذا طبيعي لان من يبحث عن جذوره لا يملك رفاهية الاستسلام.

كرّست ما تبقى من حياتها لإثبات أن الانتماء ليس مجرد وثيقة رسمية بل هو ذاكرة وهوية وثقافة وجذور تسري في الدم.

اليوم تخوض لويزا معركتها مستندة إلى أرشيف صغير في حجمه كبير في دلالته: صورة وحيدة تجمعها بوالدها وهي طفلة إلى جانب وثائق رسمية تخص عماتها اللواتي عشن ورحلن في قرية تيمزگدوين.

ورغم كل ذلك ما تزال الإدارة تعتبر والدها شخصاً مجهول الهوية الإدارية بسبب رحيله منذ عقود وهو ما جعل ملفها يصطدم بعقبات قانونية وإجرائية متتالية.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود القانون:
هل يوجد وطن يستحق أكثر من عشرين عاماً من الركض خلف اعتراف إداري.. من أجل جنسية ابيها
بالنسبة إلى لويزا، الجواب واضح:
نعم.

فالوطن بالنسبة إليها ليس قطعة ورق بل شعور متجذر وذاكرة متوارثة وحنين لا يخبو.

إنها ما يمكن تسميته بـ”شفرة تمغريبيت”، ذلك السر العصي على التفسير الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الحكايات ورائحة الشاي ولهجة البيت ودفء الذكريات.
شفرة تجعل الغربة أكثر قسوة لكنها تجعل الانتماء أكثر رسوخاً.

واليوم وبعد أن ضاقت رفوف الإدارات بملفها وتعذرت عليها كل السبل القانونية التي سلكتها طوال عقدين من الزمن بدأت لويزا تفكر في نقل معركتها إلى فضاء أرحب وأكثر إنسانية.

تفكر في إنتاج فيلم سينمائي يوثق رحلتها الطويلة.
لن يكون مجرد سيرة ذاتية بل شهادة إنسانية عن حق الإنسان في هويته وصرخة فنية في وجه النسيان ورسالة تقول إن الانتماء لا يُقاس بالأوراق وحدها بل بما تحمله القلوب من وفاء للجذور.

سيكون فيلماً يحوّل الصورة اليتيمة ووثائق تيمزگدوين إلى شهادة حية أمام العالم تؤكد أن لويزا ليست مجرد اسم في السجلات الفرنسية بل ابنة للأطلس الشامخ مغربية النسب والوجدان.

وإذا كانت الوثيقة الرسمية قد تأخرت فإن الروح حسمت أمر مغربيتها منذ زمن بعيد.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
toto slot situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/