
ذاكرة مهاجر مغربي بضواحي باريز تتدفق أسمى القيم الإنسانية..
- بقلم حسن الاشهب//
أكادير اليوم – كان والدي، المرحوم الأشهب مبارك بن إبراهيم بن حمادي البنكموديالعميري، الذي اشتغل عاملاً متخصصاً في معامل صناعة السيارات بضواحي باريس قبل وبعد الحربالعالميةالثانية، يروي للأهل والأقارب، كما أكد ذلك صديقه ورفيقه العربي أوطاهر قويدر، أنه كان يحمل فصيلة الدم (-o) ولذلك كان رهن إشارة رفاقه الفرنسيين في نقابة الكونفدرالية العامة للشغل (CGT).
وكلما بلغهم أن أحد المرضى من الرفاق العمال أو الجرحى من بقايا معطوبي الحرب في حاجة الى التبرع بالدم في المستشفى كانوا يستدعونه، فيلبي النداء دون تردد، بل كان يُنادى عليه أحياناً في أيام العطل، فيتوجه إلى المستشفى متطوعاً للتبرع بدمه، مدفوعاً بقناعة راسخة بأن إنقاذ حياة الإنسان واجب يسمو فوق كل اعتبار واننا خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف بيننا كما تجسد ذلك قوة الايمان وحضارةالاسلام المتعددةالاعراق والثقافات.
وبحسب ما كان يرويه بنفسه، وما ظل شاهده العربي أوطاهر قويدر يردده، فإن دم عامل مغربي بسيط، منحدر من شمال إفريقيا، ومن وطن كان آنذاك تحت نظام الحماية، امتزج بدماء رجال ونساء من مختلف الديانات والأعراق والجنسيات، في مشهد إنساني يجسد أن الكرامة الإنسانية لا وطن لها، وأن التضامن الحقيقي لا يعترف بالحدود ولا بالاختلافات.
ونحن، أفراد عائلته وأبناؤه وأحفاده، نستحضر هذه الشهادة بكثير من الاعتزاز، لا باعتبارها مدعاة للفخر الشخصي فحسب، بل لأنها تجسد منظومة من القيم النبيلة التي عاشها والدنا ومارسها في حياته اليومية: قيم الإيثار، والتضامن، والوفاء للإنسان أينما كان. وإذا كان أثر الإنسان يقاس بما يتركه من خير في حياة الآخرين، فإن والدنا ترك جزءاً من دمه ليصبح سبباً في استمرار حياة أناس لم يكن يعرف أسماءهم، لكنه كان يعرف أنهم بشر يستحقون الحياة.
ويعزز مصداقية هذه الرواية أن عمليات نقل الدم كانت تُجرى بالفعل في مستشفيات باريس خلال سنوات 1948 و1950، بعد اعتماد فصائل الدم (ABO) وعامل الريزوس (Rh) واختبارات التوافق بين المتبرعين والمرضى، وهو ما يجعل ما رواه والدنا للأهل وأكده شاهده، منسجماً مع الممارسة الطبية السائدة آنذاك.
وهكذا بقيت تلك المواقف الإنسانية شاهداً على أن مغربياً بسيطاً استطاع، بدمه وبإنسانيته، أن يترك أثراً في حياة آخرين، وأن يقدم درساً خالداً في أن أسمى أشكال الانتماء هو الانتماء إلى الإنسانية.والى جانب الاسهام في انقاد حياة المحتاحين للدم فقد ساهم جيله من العمال المغاربة في إعادة إعمار فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية .
إن استحضار سيرة والدي المرحوم الأشهب مبارك بن إبراهيم البنكمودي العميري ليس مجرد وفاء لذكرى فرد من العائلة، بل هو وفاء لذاكرة جيل كامل من العمال المغاربة الذين غادروا وطنهم في ظروف قاسية، وساهموا بعرقهم في بناء اقتصاد فرنسا، وبإنسانيتهم في إنقاذ الأرواح دون تمييز في الدين أو الجنسية أو اللون. إنها صفحات مشرقة من تاريخ الهجرة المغربية، تستحق أن تُروى وأن تُوثق، حتى تنال تلك التضحيات ما تستحقه من تقدير واعتراف، وتبقى مصدر إلهام للأجيال القادمة..
تجدر الإشارة الى ان والدي الأشهب مبارك بن ابراهيم البنكمودي العميري نسبة الى قرية بنكمود باشتوكة جنوب المغرب هاجر في ظروف صعبة الى فرنسا سنة 1930 و سأعود لتلك الفترة وما قبلها من مسار شخصيته المتميزة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




