
“تيميزار” يعيد الحياة إلى تيزنيت.. مهرجان الفضة يصنع رواجاً اقتصادياً ويمنح الحرفيين واجهة للتألق
منذ اللحظات الأولى لانطلاق فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجان “تيميزار للفضة”، بدت مدينة تيزنيت وكأنها ترتدي حلة جديدة. فقد استعادت المدينة نبضها الاقتصادي والسياحي، وامتلأت شوارعها وساحاتها بزوار قدموا من مختلف جهات المملكة ومن خارجها، في مشهد يعكس المكانة التي بلغها هذا الموعد السنوي، والذي ازدادت قيمته الرمزية والتنموية هذه السنة بعد تشرفه بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهو ما يؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد تظاهرة ثقافية، بل أصبح رافعة حقيقية للتنمية المحلية ومنصة وطنية ودولية لتثمين الصناعة التقليدية المغربية.
فمع انطلاق هذه الدورة، عاشت المدينة على وقع انتعاشة غير مسبوقة، حيث امتلأت الفنادق ودور الضيافة، وانتعشت المطاعم والمقاهي والأسواق، وعرفت الشوارع والساحات العمومية حركة دؤوبة لآلاف الزوار، في مشهد يعكس المكانة التي أصبح يحتلها المهرجان على خارطة التظاهرات الوطنية والدولية.

ويظل المستفيد الأول من هذه الدينامية هم صناع الفضة، الذين وجدوا في المهرجان فضاءً مفتوحاً لعرض إبداعاتهم والتعريف بمنتجاتهم أمام جمهور واسع، بعيداً عن محدودية التسويق التقليدي. فالأروقة لا تعرض قطعاً من الحلي فحسب، بل تقدم للزائر حكاية مدينة صنعت مجدها من الفضة، ونسجت هويتها من إبداع الحرفيين الذين حافظوا على هذا الإرث جيلاً بعد جيل.
ولعل من أبرز مظاهر نجاح هذه الدورة الإقبال الكبير الذي شهدته معارض الفضة المقامة بفضاءات المهرجان، حيث حج إليها المئات من الزوار يومياً، من أبناء المدينة ومن السياح المغاربة والأجانب، لاكتشاف روعة المصوغات الفضية وجودة المنتوج المحلي. وقد عبر العديد من الزوار والمهتمين عن رغبتهم في أن تبقى هذه المعارض مفتوحة على مدار السنة، بالنظر إلى ما تشكله من فضاء للتعريف بالموروث الحرفي، ودعم التسويق المباشر للصناع التقليديين، وتحويل تيزنيت إلى وجهة دائمة لعشاق الفضة، بدل أن يظل هذا الزخم مرتبطاً فقط بأيام المهرجان.
لقد نجح “تيميزار” في تحويل الفضة من منتوج تقليدي إلى عنصر جذب اقتصادي وسياحي، ومنح الحرفيين فرصة لنسج علاقات مهنية جديدة، وإبرام شراكات تجارية، وفتح أسواق واعدة أمام المنتوج المحلي، وهو ما ينسجم مع التوجه الوطني الرامي إلى جعل الصناعة التقليدية رافعة للتنمية وخلق فرص الشغل.
كما أن إشعاع المهرجان لا ينعكس على الحرفيين وحدهم، بل يمتد إلى مختلف الفاعلين الاقتصاديين بالمدينة، حيث تستفيد التجارة المحلية، وقطاع النقل، والإيواء، والمطاعم، والخدمات، من الحركية التي يخلقها هذا الموعد السنوي، ليصبح المهرجان رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي، وليس مجرد تظاهرة ثقافية عابرة.
وتأتي الرعاية الملكية السامية للدورة الرابعة عشرة لتمنح المهرجان بعداً جديداً، وتؤكد أنه أصبح مشروعاً وطنياً لتثمين التراث الحرفي المغربي، ورسالة حضارية تعكس غنى الهوية الثقافية للمملكة، وتفتح آفاقاً أوسع لتسويق الفضة المغربية في الأسواق الدولية.
واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبدو تيزنيت مطالبة باستثمار هذا الزخم عبر التفكير في إحداث فضاءات عرض دائمة، وتطوير البنيات المخصصة لتسويق المنتوج الحرفي، ومواصلة دعم الصناع التقليديين وتشجيع الشباب على تعلم مهن صياغة الفضة، حتى يظل هذا الإرث حياً ومتجدداً، ويستمر “تيميزار” في أداء رسالته كجسر بين الأصالة والتنمية.
لقد أثبت مهرجان “تيميزار” أن الثقافة يمكن أن تكون اقتصاداً، وأن الحرفة التقليدية قادرة على خلق التنمية إذا وجدت الرؤية والدعم والتسويق. وما تشهده تيزنيت اليوم من حيوية ورواج هو خير دليل على أن الاستثمار في التراث ليس ترفاً، بل خياراً استراتيجياً يصنع القيمة المضافة، ويمنح المدينة إشعاعاً وطنياً ودولياً، ويعيد الاعتبار للصناع التقليديين الذين كانوا ولا يزالون حراس هذا الإرث الحضاري وصناع بريق الفضة المغربية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



