
حين تنطق الفضة بلسان الهوية… “تيميزار” والرعاية الملكية يكتبان فصلاً جديداً من تاريخ تيزنيت
ليست الرعاية السامية التي حظيت بها الدورة الرابعة عشرة لمهرجان “تيميزار للفضة” مجرد تتويج بروتوكولي لتظاهرة ثقافية، بل هي رسالة قوية تؤكد أن الصناعة التقليدية المغربية أصبحت اليوم جزءاً من الرؤية الوطنية الرامية إلى تثمين الرأسمال اللامادي للمملكة، باعتباره أحد أهم روافد التنمية المستدامة. وعندما تحظى تظاهرة متخصصة في فن صياغة الفضة بهذا التشريف الملكي، فإن ذلك يعني أن المهرجان تجاوز منذ سنوات حدود الاحتفال الموسمي، ليتحول إلى مشروع حضاري يجمع بين الاقتصاد والثقافة والهوية.
لقد استطاعت تيزنيت، بفضل تضافر جهود المنتخبين والسلطات المحلية والمؤسسات الشريكة وغرفة الصناعة التقليدية وجمعية “تيميزار”، أن تجعل من مهرجان الفضة علامة مميزة داخل الخريطة الثقافية المغربية، وأن تنقل هذا الموعد من نطاقه المحلي إلى فضاء وطني، بل وإلى واجهة دولية تستقطب المهنيين والخبراء والمهتمين بالصناعة التقليدية من مختلف أنحاء العالم.
غير أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الزوار أو بحجم السهرات الفنية، وإنما بقدرة المهرجان على إعادة الاعتبار للحرفة والحرفي. فالصناع التقليديون هم جنود الخفاء الذين حافظوا على هذا الإرث عبر عقود طويلة، رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية، ورغم منافسة المنتجات الصناعية. هؤلاء هم من صانوا هوية تيزنيت قطعةً قطعة، ونقشوا على الفضة ذاكرة أجيال كاملة، وحولوا المعدن إلى لغة ثقافية تنطق بتاريخ الإنسان الأمازيغي في سوس.
فالفضة في سوس ليست زينة فحسب، بل هي جزء من الهوية الأمازيغية، تحمل في نقوشها رموزاً تحكي قصص الأرض والمرأة والأسرة والقبيلة، وتعكس منظومة من القيم الاجتماعية والروحية التي توارثتها الأجيال. ومن هنا فإن الحفاظ على هذا الإرث لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم مهرجان سنوي، بل يتطلب رؤية استراتيجية تجعل من الصناعة التقليدية قطاعاً اقتصادياً قادراً على خلق الثروة وفرص الشغل، مع ضمان نقل المهارات إلى الشباب وتشجيع الابتكار دون التفريط في الأصالة.
واليوم، وبعد أن دخل مهرجان “تيميزار” مرحلة جديدة تحت الرعاية الملكية السامية، فإن سقف الانتظارات أصبح أكبر من أي وقت مضى. فهذه الرعاية تفتح آفاقاً واسعة أمام المهرجان لتعزيز حضوره خارج الحدود، من خلال المشاركة في المعارض الدولية، وإقامة شراكات مع مؤسسات عالمية متخصصة في التراث والحرف، وتسويق الفضة المغربية كمنتج يحمل هوية وقيمة ثقافية، وليس مجرد سلعة تجارية.
كما أن هذه المرحلة تستدعي الاستثمار في التكوين والبحث العلمي والتوثيق الرقمي، وربط الصناعة التقليدية بالاقتصاد الإبداعي، حتى تصبح تيزنيت مرجعاً دولياً في مجال صياغة الفضة، ومختبراً حقيقياً للابتكار في الصناعات الثقافية.
إن الرعاية الملكية ليست نقطة وصول، بل هي نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر طموحاً. وهي مسؤولية جماعية تفرض على جميع المتدخلين مواصلة العمل بنفس الروح التي صنعت نجاح “تيميزار”، حتى يستعيد بريق الفضة المغربية مكانته الطبيعية في الأسواق العالمية، وحتى ينال الحرفيون المكانة التي يستحقونها باعتبارهم حراس الذاكرة المغربية وصناع المستقبل.
فحين تلمع الفضة في تيزنيت، فإن الذي يضيء في الحقيقة ليس المعدن، بل هو تاريخ وطن، وهوية شعب، وإرادة جماعية تؤمن بأن التنمية تبدأ من الإنسان، وتحيا بالثقافة، وتستمر بحفظ الذاكرة وصناعة الأمل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



