الجهة اليومالرأي

مهاجرون (10): موغا نخّاس الأزمة الحديثة: الذاكرة الجماعية للهجرة المغربية إلى مناجم الفحم بفرنسا

أكادير اليوم _ قبل أن تتحول اشتوكة، وبخاصة آيت عميرة، إلى فضاء لاستقبال موجات متتالية من المهاجرين القادمين من مختلف مناطق المغرب، ثم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وأخيرًا من بنغلادش، عرفت المنطقة تجربة هجرة من نوع آخر، كانت هي نفسها إحدى أكبر موجات النزوح البشري التي شهدها الجنوب المغربي خلال القرن العشرين. فالمجال الذي يستقبل اليوم المهاجرين كان بالأمس مجالًا لتصدير شبابه نحو مناجم الفحم في شمال فرنسا.

وترتبط هذه المرحلة باسم شخصية ما تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الشعبية، هو “موغا”، الذي أصبح منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وطوال عقد الستينيات، وحتى منتصف السبعينيات، أشهر وسيط لتجنيد العمال المغاربة لفائدة شركات الفحم الفرنسية. كانت أخباره تسبقه إلى الأسواق الأسبوعية، وتتحول زيارته إلى حدث استثنائي تتناقله القرى والدواوير، ويُنظر إليه باعتباره حاملًا لتذكرة الخلاص من الفقر نحو “جنة” العمل والمال.

كانت السلطات المحلية تعلن عن موعد قدومه بواسطة “البراح”، فيتوافد آلاف الشباب منذ ساعات الفجر الأولى إلى الأسواق الأسبوعية، مصطفين في طوابير طويلة تحت حرارة الشمس، أملاً في أن يقع عليهم الاختيار. ولم تكن عملية الانتقاء مجرد إجراء إداري، بل كانت طقسًا قاسيًا يحمل في طياته أشكالًا متعددة من الإذلال والعنف الرمزي.

تبدأ العملية بإجبار الشباب على نزع جلابيبهم وألبستهم التقليدية، والبقاء بملابسهم الداخلية أو بسراويلهم فقط أمام الجميع. وفي مجتمع محافظ كان يعتبر كشف الجسد أمام الآخرين مساسًا بالكرامة، شكل هذا المشهد أولى لحظات الإهانة الجماعية، ولا يزال كثير من الشهود يستحضرونه بألم حتى اليوم.

بعد ذلك يبدأ “موغا” جولته بين الصفوف، يصافح الشباب مبتسمًا، ويتحدث بلهجة مغربية ممزوجة بلكنة فرنسية، مستفيدًا من خبرته السابقة كجندي فرنسي في المغرب ثم كوسيط لتشغيل العمال في فرنسا. غير أن المصافحة لم تكن مجرد تحية، بل كانت اختبارًا أوليًا؛ إذ كانت اليد الخشنة، التي تدل على العمل الشاق، مؤشرًا على أهلية صاحبها للعمل في المناجم.

ثم تأتي مرحلة فحص الأسنان، في مشهد شبهه كثير من الرواة بأسواق النخاسة، تليها عملية قياس الطول والوزن، حيث كان يشترط حد أدنى معين للطول والوزن، ثم يخضع المرشح لفحص طبي يتعلق بالبصر وصحة القلب واللياقة البدنية. وكان التركيز أساسًا على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة.

وتشير الروايات الشفوية إلى أن “موغا” كان يفضل العمال الأميين، باعتبارهم أكثر قابلية للانضباط وأقل ميلًا إلى المطالبة بحقوقهم. وقد صرح، حسب ما يرويه عدد من الباحثين، بأنه ساهم في استقدام ما يقارب ثمانين ألف شاب من سوس وكلميم وورزازات والرشيدية للعمل في مناجم الفحم بشمال فرنسا.

غير أن أكثر مراحل الانتقاء قسوة كانت إعلان النتائج داخل السوق نفسه. فالشباب المقبولون كانوا يُوسمون بختم أخضر على صدورهم، بينما يُختم المرفوضون بختم أحمر، في مشهد ترك جروحًا نفسية عميقة لدى كثيرين. ولم يكن عدد المقبولين يتجاوز نسبة ضئيلة من مجموع المرشحين، أما أصحاب “الختم الأحمر” فقد كانوا يعودون إلى قراهم وهم يحملون وصمة اجتماعية ثقيلة، إذ تعرضوا للسخرية والتنمر، ووُصفوا بالفاشلين، بل إن بعضهم واجه صعوبات في الزواج لأن رفض “موغا” لهم اعتُبر دليلًا على عدم صلاحيتهم للعمل والحياة.

وقد خلفت هذه التجربة أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية، انعكس في الشعرين الأمازيغي والدارج، خاصة في الأشعار النسائية المجهولة المؤلف، التي عبرت عن الألم والفقد والاغتراب. ومن أشهر ما رددته نساء تارودانت:

«”موغا يا الكافر… أخذت الرجال وتركت المواقد.”»

وفي قصيدة أمازيغية أخرى وردت صور معبرة عن استنزاف القرى من شبابها، حتى قيل:

«”دخل موغا إلى حظيرة القبيلة، فأخذ الأكباش وترك النعاج.”»

وفي بيت آخر:

«”حتى فقيه القرية حلق لحيته ووقف في صف المنتظرين.”»

كما صوّر الشعر الشعبي فرنسا باعتبارها فضاءً للغياب النهائي، إذ جاء في أحد المقاطع:

«”يا فرنسا، أيتها الساحرة، أنت كالمقبرة، من ذهب إليك لا يعود.”»

وتجد هذه الذاكرة امتدادها في قصيدة الشاعر السوسي الحاج محمد البنسير، المعنونة “لن تسامح دي نور”، في إشارة إلى مناجم شمال فرنسا، حيث استعاد معاناة العمال المغاربة الذين دفعوا ثمنًا باهظًا من صحتهم وأعمارهم داخل الأنفاق.

إن شخصية “موغا” تظل من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الهجرة المغربية. ففي المخيال الشعبي يحمل وجهين متناقضين؛ فهو من جهة “المنقذ” الذي فتح أمام آلاف الأسر بابًا للهروب من الفقر، ومن جهة أخرى يمثل رمزًا لآليات الانتقاء المهينة وللاستغلال الذي تعرض له العمال المغاربة داخل مناجم الفحم الفرنسية. ولذلك لا يمكن فهم تاريخ الهجرة المغربية إلى فرنسا دون استحضار هذا الوجه المزدوج، الذي يجمع بين الأمل والألم، وبين الحلم الاجتماعي والعنف الرمزي.

ولعل دراسة الدكتور حسن بنطالب الموسومة «خبز أسود» تمثل من أهم الأعمال التي أعادت قراءة هذه المرحلة، من خلال ربط تجربة التجنيد الجماعي التي قادها “موغا” بظروف العمل القاسية التي عاشها العمال المغاربة في مناجم الفحم بشمال فرنسا، وبما خلفته تلك التجربة من آثار اجتماعية وثقافية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية إلى اليوم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/