الرأيالمجتمع

أوراق باحثة ( 2): لماذا لا يصل البحث العلمي إلى صانع القرار؟

أكادير اليوم – المشكلة ليست في أن المغرب يفتقر إلى العقول، بل في أن المعرفة لا تجد دائما طريقها إلى حيث تُصنع القرارات.

حين تتخذ الدولة قرارا في التعليم،أو الصحة، أو التشغيل، أو العدالة، أو التحول الرقمي، فإن أول سؤال ينبغي أن يطرح ليس ما هو القرار؟ بل على أي معرفة بني هذا القرار؟

في الدول التي جعلت من المعرفة رافعة للتنمية، لا ينظر إلى البحث العلمي باعتباره نشاطا جامعيا معزولا،بل باعتباره جزءا من منظومة صناعة السياسات العمومية. فالبحث لا ينتج من أجل رفوف المكتبات، وإنما من أجل فهم الواقع، واستباق التحولات، واقتراح البدائل.

في المغرب،لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب الباحثين أو ضعف الكفاءات. فالجامعات تحتضن مختبرات علمية، وتناقش سنويا رسائل ماستر وأطروحات دكتوراه في مختلف التخصصات، وتنتج دراسات يمكن أن تسهم في معالجة قضايا المجتمع،ومع ذلك، يبقى السؤال قائما لماذا لا يتحول جزء أكبر من هذا الرصيد العلمي إلى عنصر فاعل في صناعة القرار؟

الجواب،في تقديري، لا يكمن فقط في العلاقة بين الباحث وصانع القرار، بل في غياب ما يمكن أن نسميه وساطة المعرفة؛ أي المؤسسات والآليات التي تنقل نتائج البحث العلمي من لغته الأكاديمية إلى لغة السياسات العمومية.

ففي عدد من التجارب الدولية، لا يتواصل الباحث مع صانع القرار بشكل مباشر في كل مرة، بل تقوم مراكز التفكير، والمجالس العلمية، ووحدات تقييم السياسات، وهيئات الخبرة،بترجمة نتائج الأبحاث إلى تقارير تنفيذية وتوصيات عملية تساعد متخذي القرار على الاستفادة منها.

أما حين يغيب هذا الجسر، فإن المعرفة تبقى داخل الجامعة، بينما يواصل القرار مساره بعيدا عنها، ليس بالضرورة رفضا لها، وإنما لغياب قناة مؤسساتية تجعلها حاضرة في الوقت المناسب وبالصيغة المناسبة.

ولا تقع المسؤولية على طرف واحد. فالباحث مطالب بأن يجعل نتائج أبحاثه أكثر قابلية للتواصل، من خلال ملخصات تنفيذية، ولغة واضحة، وربط النتائج بالإشكالات الواقعية. كما أن المؤسسات العمومية مطالبة بترسيخ ثقافة الإنصات للخبرة العلمية، وإشراك الجامعات ومراكز البحث في تقييم السياسات وصياغة البدائل.

إن التحديات التي يواجهها المغرب اليوم، من إصلاح التعليم،إلى التشغيل، والتنمية المجالية، والانتقال الرقمي، والتغيرات الديموغرافية، تحتاج إلى قرارات تستند إلى الأدلة،لا إلى الانطباعات وحدها. فكلما اقترب القرار من المعرفة، ازدادت فرص نجاحه، وكلما ابتعد عنها، ارتفعت كلفة الخطأ،

إن السؤال الحقيقي لم يعد هل ننتج معرفة؟ بل كيف نبني مؤسسات تجعل المعرفة جزءا من القرار؟

فالجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة معزولة،كما لا ينبغي أن يكون القرار العمومي منفصلا عن البحث العلمي. وبينهما يوجد جسر لم يكتمل بناؤه بعد، وهو الجسر الذي يستحق أن يكون أحد رهانات الإصلاح في السنوات المقبلة.

ويبقى السؤال مفتوحا…

إذا كانت الجامعة تنتج المعرفة،فمن المسؤول عن بناء الجسر الذي يوصلها إلى مراكز القرار؟

سلسلة أوراق باحثة من الجامعة إلى المجتمع

المعرفة لا تغير الواقع بمجرد إنتاجها، بل عندما تجد من يحولها إلى قرار، ومن يجعل القرار مسؤولا أمام المعرفة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/