المغرب اليوم

تجار المآسي في المغرب: حين يتحول الألم إلى فرصة والعقل إلى ضمير غائب

  • بدر شاشا //

تجار المآسي في المغرب ليسوا ظاهرة عابرة ولا فئة واحدة يمكن حصرها في اسم أو منصب أو صفة إدارية. هم حالة أخلاقية تتكرر كلما حلّ عيد، أو وقعت فاجعة، أو اشتد مرض، أو ضاقت الأحوال بالناس. في تلك اللحظات التي يُفترض أن تستيقظ فيها الرحمة، وتعلو فيها قيم التضامن، يظهر وجه آخر للمجتمع، وجه لا يرى في الألم سوى فرصة، ولا في الحاجة سوى سوق مفتوحة.

في الأعياد، حين يفترض أن يكون الفرح مشتركًا، تتحول الأسعار إلى سكاكين صامتة. لا زيادة مبررة، لا منطق اقتصادي واضح، فقط منطق واحد يحكم المشهد: الآن يدفع الناس مهما كان الثمن. الأضحية تصبح عبئًا نفسيًا وماليًا، واللباس عبئًا، وحتى أبسط تفاصيل العيد تفقد معناها وسط سباق محموم نحو الربح. الغريب أن من يرفع السعر ليس دائمًا تاجرًا كبيرًا أو محتكرًا معروفًا، بل في كثير من الأحيان شخص من نفس الحي، من نفس الطبقة، عاش نفس الضيق، لكنه حين امتلك سلعة امتلك معها قسوة غريبة.

عند الزلازل، حين تهتز الأرض وتنكشف هشاشة الإنسان، يُفترض أن تتوحد القلوب. لكن الواقع يكشف أن بعض القلوب لا تهتز. ترتفع أثمنة الكراء فجأة، تُستغل الحاجة إلى الخيام، إلى المواد الغذائية، إلى النقل. المأساة تتحول إلى موسم، والدموع إلى أرقام. لا أحد يسأل من أين جاء هؤلاء؟ إنهم من بيننا، يشبهوننا في الشكل، في اللغة، في المعاناة السابقة، لكنهم يختلفون في لحظة الاختبار.

مع الأمراض، ومع جائحة كورونا تحديدًا، سقطت أقنعة كثيرة. الكمامات، مواد التعقيم، الأدوية، حتى الأوكسجين، كلها تحولت إلى سلع تخضع لمنطق الجشع. لم يكن الأمر حكرًا على شركات أو مسؤولين، بل شارك فيه أفراد عاديون، باعوا الخوف قبل أن يبيعوا السلعة. من كان يصرخ ضد الفساد صباحًا، لم يتردد ليلًا في مضاعفة السعر لأنه “فرصة لن تتكرر”.

وعند الفيضانات، حين تغرق البيوت وتضيع الممتلكات، يظهر نوع آخر من التجار. تاجر النقل الذي يضاعف الثمن لأنه الطريق صعب، تاجر مواد البناء الذي يرفع السعر لأن الطلب كبير، تاجر المواد الغذائية الذي يبرر الغلاء بانقطاع الطرق. الكل لديه مبرر جاهز، لكن النتيجة واحدة: الفقير يزداد فقرًا، والمنكوب يُستنزف حتى آخر درهم.

هنا لا يكون الحديث عن منتخبين، ولا عن مسؤولين، ولا عن سلطة. الحديث عن ناس من نفس الصنف والطبقة، من الفقراء أو غير المتوسّطين، عن أولئك الذين يملؤون المقاهي بخطاب النقد والاحتجاج، ثم يمارسون نفس السلوك حين تتاح لهم الفرصة. المفارقة المؤلمة أن كثيرًا ممن يلعنون الفساد صباح مساء، هم أكثر استعدادًا لممارسته حين لا يراقبهم أحد.

تتضح الحقيقة القاسية: المشكلة ليست فقط في القوانين ولا في المؤسسات، بل في منظومة قيم مختلة. في ضمير يقبل أن يربح من دمعة، ومن جوع، ومن خوف. في عقل يبرر الغش بأنه “شطارَة”، ويبرر الاستغلال بأنه “رزق”، وينسى أن الرزق لا يكون على حساب إنسان مكسور.

روعة هذا الموضوع ليست في جماله، بل في قسوته الصادقة. لأنه يضع المجتمع أمام مرآة لا ترحم. مرآة تقول إن الإصلاح لا يبدأ فقط من الأعلى، بل من التفاصيل الصغيرة، من البيع والشراء، من لحظة اتخاذ القرار بين أن أكون إنسانًا أو تاجر مأساة. تقول إن النقد الحقيقي لا يكون بالكلام فقط، بل بالسلوك اليومي، حين تُتاح الفرصة للربح السهل، ويختار الإنسان أن لا يربح على حساب وجع غيره.

وحين نفهم هذا، ندرك أن المعركة الحقيقية ليست ضد شخص أو فئة، بل ضد هذا التطبيع مع القسوة. ضد هذا القبول الجماعي بأن الألم موسم، وأن الحاجة سوق، وأن الأخلاق يمكن تعليقها مؤقتًا إلى أن تمر الأزمة. هنا فقط يصبح الحديث عن العدالة صادقًا، وعن التغيير ممكنًا، وعن الروعة معنى عميقًا لا عنوانًا فقط.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/