الرأيالعالم اليوم

السؤال الذي لا يفرض نفسه!..

  • عبدالرحمان بلعياشي //

هي أسئلة متعددة ومتنوعة بصيغة المفرد. السؤال. يختزل كل الأسئلة التي لا نطرحها أو لم نطرحها بعد أو لن نطرحها أبدا. يرافقنا أينما حللنا وارتحلنا. يشكل مبرر عيشنا وسبب وجودنا. يعيش بدواخلنا، فيوجه سلوكنا وردود أفعالنا. لا يبحث بالضرورة عن جواب، لأنه هو الجواب كله، يحمله بين طياته ويحتمله، بل ويحصره أحيانا في جواب واحد أوحد ووحيد. وأحيانا أخرى يكون مفتوحا ويحتمل أكثر من جواب، أو يقدم جوابا عاما، غير محدد المعالم. أسئلة وتساؤلات لا تبحث دائما عن جواب محدد، أو جواب قطعي بنعم أو بلا، إنما هي تبحث عن تأملات وتفكير ونقاش عميق في قضايا الإنسان والمجتمع والوجود. 

كل كائن حي لا بد وأن تكون لديه أسئلة. الكائنات الحية لديها أحاسيس ومشاعر، كما لديها انشغالات وهموم واحتياجات ومتطلبات. فهي تعيش يومها بالأسئلة، والتي لا تصيغها بالضرورة ولا تطرحها. لكن كل خطوة وكل مبادرة وكل فعل، يعتبر ردا عن سؤال أو إجابة عن تساؤل، واستجابة لاستفهام ربما يتكرر كل يوم وباستمرار، أو لاستفهام طارئ مواكب لما يجد في الحياة من أحداث ووقائع.

لا يمكن تصور يوم واحد، أو إن شئنا لحظة واحدة خالية من الأسئلة حتى لو لم نطرحها، لكنها تفرض علينا نفسها. وهناك في المقابل أسئلة لا يجب طرحها، أسئلة زائدة ومزعجة، أسئلة تنم عن مزاج صاحبها، مزاج كله وساوس، يتشبث بالجزئيات التي لا تقدم ولا تؤخر. وهذا النوع من الأسئلة يفقد صاحبها ومتلقيها التركيز على الأساس والجوهر، ليذهب تفكيره إلى تفاصيل لا طائل منها، فيضيع بدخوله في متاهات لا نهاية لها و حصر، ولا سبيل للخروج منها بسلام.

غير أن العبارة تنطوي على قراءتين متباينتين. الأولى تهم تلك الأسئلة التي لا تفرض فعلا نفسها، وهي بديهية ومفهومة، بل مبررة وهي ضمنية في سياقها العام أو الخاص، وبالتالي لا تحتاج إلى أية صياغة لغوية. أما القراءة الثانية فهي ترتبط بأمور لا تخطر دائما على بالنا وهي خاصة بعامة الناس، من قبيل الإسم والنسب واللغة والدين والوطن، وغيرها.

وهي عناصر أساسية في بناء الشخصية، من مزاج وطريقة تفكير وسلوك ومعاملات. وهناك أسئلة بلاغية لا تنتظر الجواب. وهي كثيرة. وعادة ما تحل محل خلاصات أو عبر أو دروس أو تفاسير وتبريرات لمواقف  حياتية معاشة. هي أسئلة جماعية، نطرحها كلنا وكأنها أجوبة قطعية ومسلمات غير قابلة للنقاش أو للتشكيك. 

غير أن السؤال الكبير الذي لا يفرض نفسه لأنه بديهي ومفروض ومفروغ منه، وتدور جل أو كل تصرفاتنا وسلوكياتنا ومبادراتنا وأفعالنا حوله وتحوم في فلكه، هو بالطبع سؤال الحياة. هو السؤال الذي يؤرقنا جميعنا لأن مجرد التفكير فيه، يعتبر في حد ذاته نوعا من محاولة الإجابة عن سبب وجودنا.

سؤال الحياة سؤال فلسفي ذات بعد وجودي ومصيري، ولا يمكن اختزال جوابه في كلمة أو جملة أو عبارة. جوابه ينجلي في ما يجد في حياتنا، ويتمظهر في ما تسير عليه الأمور يوميا، وما تصير عنه حياتنا إذ نقوم بالمسار، ونمتطي دربه ونسلك طريقه، بكل ما يحمله من مغامرات ومفاجآت و اكتشافات وتحديات ومخاطر. سؤال الحياة هو البحث في الحياة نفسها، وهو ليس سؤالا وحيدا أو موحدا.

يتجدد فينا كل مرة، لأن الحياة بشكل عام ليست قارة أو ثابتة أو نهائية، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. سؤال الحياة يتجلى في كل شيء وفي كل مكان ولحظة، ويتغير بتغير هذه العناصر. سؤال الحياة يختلف من شخص لآخر، يتغير من مجتمع لآخر ومن حقبة لأخرى. هو إذن سؤال جمع بصيغة المفرد. سؤال متعدد ومتفرد ومتفرع. لا يبدأ بميلاد شخص أو بوفاته، لأنه دائم ومستمر وممتد في الزمان والمكان. هو سؤال أبدي وخالد، وعندما يختفي سيكون ذلك إعلانا صريحا عن نهاية الحياة والوجود.

الأسئلة التي لا تفرض نفسها، هي نفسها الأسئلة التي تشكل أساس الفكر البشري. فمعظم فلاسفة العالم تدور نظرياتهم وتحليلاتهم ومقارباتهم حول هذا السؤال الجوهري، والذي يعبرون عنه بصيغة الإشكالية، في تعبير صريح أن لا إجابة قطعية ننتظرها في أفق قريب أو بعيد. سؤال الحياة من هذه الوجهة هو سؤال الوجود، وسؤال الذات، وسؤال الفكر، وسؤال الموت، وسؤال الأخلاق، وسؤال القيم، وسؤال الخير، وسؤال الشر، وسؤال السعادة، وسؤال الشقاء، وسؤال القلق، وسؤال الطمأنينة، وسؤال الفرح، وسؤال الروح، وسؤال الجسد، وسؤال الشك، وسؤال اليقين، وسؤال النسبية، وسؤال المطلق، وسؤال العدل، وسؤال الظلم، وسؤال العطاء، وسؤال البخل، وسؤال الإيمان، وسؤال الكفر، وسؤال الحب، وسؤال الكراهية والحقد، وغيرها.

هي إشكاليات طرحها الفلاسفة والمفكرون للنقاش والتداول، طرحوها بصيغ مختلفة ولم يحسموا فيها لأنها متغيرة وباستمرار، ومتقلبة الأطوار على الدوام، وغير مستقرة على حال. طرحوها كفرضيات، لا كمسلمات، هكذا تمكنت من فرض ذاتها بمسايرة الحياة على جميع أحوالها والتكيف مع مستجدتاها. طرحوها على أنها غير محسومة، فتناولوها بكل ما تحمله من هموم بأريحية تامة، وفق منهجية مرنة أحيانا، وصارمة في أحايين أخرى.

لكنهم لم يفقدوا الصبر والعزيمة، بل وكان كل فيلسوف أو مفكر يبنى على أسلافهم، ويمهدون الطريق لأتباعهم ومن يليهم، ليؤسسوا  بدورهم على وتصوراتهم وأطروحاتهم ونتائجهم، فكان أن أصبحت هذه الأسئلة موضوع تجديد مستمر، خال من التكرار والإطناب والملل. فكان أيضا أن كانت لكل مسألة مقاربات وزوايا ونظريات، تتفرع عنها أخرى، وتكون مصدر تساؤلات جديدة، تعطي لكل مسألة أبعادا جديدة، تفتح أمامها آفاقا متجددة وغنية. وكان هؤلاء الفلاسفة يتناولون هذه القضايا والإشكالات منفردة أو مجتمعة حسب العلائق التي يرى كل واحد أنها تجمع بينها.

أسئلة جعلت من الحياة حقلا مفتوحا وممكنا يتسع لكل التساؤلات والاستفسارات والانشغالات والهموم والتطلعات والأمنيات. حقل مفتوح متعدد الزوايا، يتيح للكل أن ينظر إلى الحياة وفق تصوراته، التي يصيغها عادة على شكل تساؤلات مباشرة أو غير مباشرة، صريحة أو ضمنية، علنية أو سرية. ما يجعل الحياة في حد ذاتها ممكنة بفضلها، ومستعصية إن هي خلت منها. 

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى