الجهة اليومالرأي

مزارع سوس: الحديقة الخلفية للخارج على حساب دماء الأرض

  • امحمد القاضي//

في السنوات الأخيرة وفي أحد ايام سوق الأربعاء الأسبوعي لبلدة تفراوت، كنت متجها لتسوق بعض الخضر، حتى جدبني أحد معارفي من البلدة للأزقة الخلفية للسوق حيث تباع خضر الزراعة المعيشية التي أنتجتها الحقول الصغرى للمنطقة. تفاجأت بحجم اللفت، واحدة قد تساوي وزن نصف كيلوغرام، ولون الجزر الأصفر، ومطيشة الصغيرة الحجم واللذيذة المداق. هذه منتوجات الحدائق الخاصة لأهل المنطقة يجلبها الأهالي للبيع والتسوق بعائداتها.

قاعدة قديمة أصبحت نادرة ببعض الأسواق الأسبوعية، لا لشيء سوى لمجرد توالي سنوات الجفاف، وعمق مستوى الفرشة المائية الجوفية، وعدم العناية بالفلاح المعيشي الصغير الذي يساهم بزراعة طبيعية وبعرق جبينه في توفير قوته اليومي.

عدت هذه السنة لأعيد التجربة، لأتفاجأ بخلو الأزقة من الباعة. وعند السؤال، كان الجواب الموحد الجفاف وضعف حاد في صبيب المياه الجوفية.

هنا لابد للمرأ أن يتساءل، كيف لبلد فلاحي وللمخطط الأخضر أن يوفر الدعم الوفير للفلاح الكبير، الذي يستفيد من هكتارات الدولة، ليقيم فلاحة تصديرية بأثمنة بخسة بالخارج، خالية من الضرائب، ويغرق عمق الآبار بحثا عن المياه الجوفية، وينشئ صهاريج لإمتصاح المياه العذبة بالألواح الشمسية المهدات أو قنينات الغاز المدعم على حساب الأمن الغذائي الوطني حيث تباع الخضر والفواكه المغربية بالخارج بأثمنة أرخص مما عليه في أسواقنا.

ويتجاهل المخطط الحاجيات البسيطة للفلاح الصغير المستقر ويساهم في نسف الزراعة المعيشة، أساس الإستقرار بقرى أعالي الجبال؟

ربما نهج مثل هذه السياسة وتبني هذا السخاء الحاتمي قد يكون ملائما في بداية التشجيع على الإستثمار في القطاع الفلاحي. والنهوض بالبلد كمنتج للمواد الفلاحية لضمان قيمة تنافسية بين الدول المنتجة في السوق العالمية.

لكن في الوقت الراهن أمام تحديات توالي سنوات الجفاف، ونذرة التساقطات، وقلة مياه الشرب وضعف حاد في خزانات السدود، أصبحت تعتبر جريمة في حق المغاربة، والموارد المائية والطبيعية للوطن. السؤال المطروح بجهة سوس، هو من سيعيد لعروق الأرض دماءها؟

قد ينقص إنتاج القمح، ونشتريه كالعادة بالبورصة الدولية، قد يقل إنتاج اللحوم الحمراء والسلالة المغربية ونلتجئ لأسواق البرازيل حيث الكاموس كما فعلنا خطأ السنة الماضية، قد تقل رؤوس الأغنام الموجهة للأضحية بعيد الأضحى، ونجد إسبانيا جارتنا لها وفرة للتصدير، أو نعلن سنة بدون أضحية لحماية قطيعنا.

لكن حين تجف المياه الجوفية من سينقدنا من الإجتفاف والعطش؟ من أين سنأتي بالماء الصالح للشرب؟ بل، هناك من يتكهن أن الحروب المقبلة ستكون حول منابع المياه. اللهم أستر.

بدأت الساكنة بدواوير جبال الأطلس الصغير تشعر بإنخفاظ ملحوظ في عمق مياه الآبار، المنبع الوحيد للماء الصالح للشرب بالقرى. مما قد يهدد الساكنة بالعطش وصيف قاس، لا قدر الله. فهل من إجراءات إستعجالية في الأفق لتوفير المادة الحيوية للساكنة المرابطة بأعالي الجبال؟

هكتارات الحقول والمزارع المسيجة بجهت سوس، خزان وممول جل جهات المغرب والخارج بالخضر والفواكه بدأت تئن. السدود برك مائية. لا نريد حقولنا أن تكون الحديقة الخلفية لساكنة أوروبا ودول إفريقيا جنوب الصحراء، على حساب حياتنا وأمننا الغذائي الوطني، والسيادة المعيشية والمائية للبلد. لا تستقيم معادلة أن نغذي الخارج ليجوع الوطن.

أتساءل، لقلة درايتي بالأمور الماكرو إقتصادية، بماذا يساهم هذا الفلاح الكبير، حين يستفيد من أراضي الجموع، ويستغل يد عاملة بأجور بخسة، وبدون تأمين ولا تغطية صحية، ويستفيد من أموال الدعم العمومي، ولا يؤدي الضرائب على الدخل للخزينة العامة، ناهيك عن إمتيازات أخرى قد لا نعلما؟ أيت الحس الوطني؟

أين الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه أهل البلد؟ هل يساهمون في تشييد السدود التلية؟ كيف يساهمون على الحفاظ على الفرشة المائية التي يستنزفونها بدون رحمة؟

الزراعة المعيشية بجل قرى سوس، وأيت عبد الله ونواحي تفراوت نموذجا، كانت العمود الفقري للنشاط الفلاحي والعجلة الإقتصادية للمنطقة، أصبحت اليوم في خبر كان. لإنعدام دعم مستدام، وبرامج تنموية مصاحبة للساكنة، وبدائل من القطاعات الجهوية الوصية لدعم الإستقرار وإستمرار الأنشطة المزاولة بالقرى.

لا تنقصنا الموارد، ولا تعوز الشباب الأفكار والحلول، لكن فضل المسؤولون التفرج عن بعد على الموت البطيء للمنطقة وساكنتها على نهج سياسة شجاعة للإغاثة وللإنقاذ.

عموما، من العار أن يشتري المواطن اللحوم الحمراء ب 100 درهم، والدجاج الرومي ب 21 درهم، والسردين ب 23 درهم، ومطيشة ب 13 درهم، والعامل الزراعي الذي عمل بحقولها يتقاضى 70 درهم لليوم.

تحديات الوطن اليوم هي إيجاد حلول لإشكالية الإجهاد المائي وضغط توالي سنوات الجفاف وتدبير الموارد المائية المتوفرة،خاصة بالمغرب العميق، بشكل إستعجالي وتقنين إستعمالها وتجريم التبدير الغير المسؤول لضمان إستدامة الموارد الطبيعية والمياه الجوفية التي تستغرق مئات السنين لتجديدها.

متى سنخطط لنوقف إستنزاف ثرواتنا الطبيعية وخاصة المائية، التي تعتبر أصل كل إستقرار؟ كجمعويون من المناطق النائية ندق نواقيس الخطر للآذان التي ستسمعها.

سأختم بمقطع من الأغنية السلمية أيام الحرب الباردة للمغني الأمريكي الدائع الصيت التي صنعت شهرته في ستينيات القرن الماضي، بوب دايلن Bob Dylan التي تحمل عنوان: الجواب في مهب الريح: The Answer is Blowing in the Wind.

كم من الآذان يجب أن نملكها، قبل أن نسمع بكاء الناس، الجواب ياصديقي في مهب الريح.

How many ears must one man have, before he can hear people cry.

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى